السبت، 7 مايو 2011

بحب السيما ....!!!

كان ابى من اولئك الرجال الذين يعتقدون ان دخول السينما هو هواية الصيع المفضلة وانها متلازمة للعديد من العادات السيئة مثل شرب السجاير والقعدة على المقاهى والعياذ بالله .....وكان من افكاره الخالدة ان من يدخل السينما وهو صغير يتلبسه ذلك الفيروس طوال حياته فلا يستطيع ان يفارقه فيشب على اللهو والمسخرة وعدم المذاكرة وينتهى به الحال لا محالة الى السجن او الادمان او حتى التورط فى جريمة قتل قد تودى به للاعدام فيجلب العار له ولاهله مدى الحياة ( وهى بالمناسبة نفس نهايات افلام عربى كتير كان ابى يشاهدها دائما عند العرض فى التليفزيون..... )



السينما تلك الشاشة البيضاء الساحرة التى شاهدتها لاول مرة فى حياتى بمصيف بلطيم فوق سطح احد اللوكاندات التى كان يمتلكها ابناء خالتى وكانت تطل مباشرة على سينما المصيف مما يجعلك ترى الفيلم افضل بكثير ممن دفعوا 25 قرشا بحالهم – تمن التذكرة انذاك .....


نعم كانت الرؤية واضحة جدا والاقارب لا يتوانون لحظة عن الاحتفاء بابن الخالة المقيم بالقاهرة وذلك بكرسى مريح او بمشروب دافئ او حتى بطانية للتغلب على برودة الجو عندما تصر على تكملة الفيلم لآخره


طبعا الحفاوة قلت بعدما لاحظ الجميع ان الزيارة لم تكن لوجه الله او لصلة الرحم وانما لمتانة الصلة ....بالسينما

فاصبحوا كلما رأونى قادما قاموا بنصب السلم الخشبى المؤدى للسطح مباشرة من غير كلام او سلام وبعد ان كان الجميع يهتم بذلك الطفل الذى يمتطى سلما خشبيا طويلا وهو متجه للسطح ...... اصبح اغلبهم ينظر لى وانا متجه لاعلى وهو يتمتم ..... توب علينا ربنا

ورغم الوضوح الشديد للصورة الا ان الصعوبه كانت دائما فى الصوت الذى كان يصل فى اغلب الايام باهتا ضعيفا ......الا اننى تمكنت من التغلب على هذه المشكله فى اخر يومين من عرض كل فيلم وذلك بقيامى بمشاهدة الفيلم طوال الاسبوع وحفظ تتابع احداثه فلا يصبح الامر عسيرا بعد ذلك ان تتخيل ماذا يقول البطل للبطلة ؟؟ او البطل لابوه او حتى لامه ؟؟؟....على طريقة املأ الفراغات.....


يااااااااااااااااااه كانت ايام ممتعه شاهدت فيها افلاما لم ارها بعد ذلك وابطالا تقمصت شخصياتهم فترات طويلة فى طفولتى وبطلات تمنيت لو قابلتهم ولو مرة واحدة ...... لدرجة اننى تسمرت عندما رايت ذات مرة مرفت امين وهى تدخل من باب الطائرة فوجدتها تضحك وهى تقول ...... هوه فيه حاجة !!!!


اصبحت هوايتى المفضلة ان اذهب للسينما دائما ..... ومش مهم الوقت .... ليلا او نهارا فى العيد او ايام الامتحانات سعيدا كنت او حزينا .... مع الاصدقاء او وحيدا ..... المهم الا يقاطعنى احد اثناء الفيلم .... هى كانت ولا تزال متعتى الوحيدة التى انسى فيها كل همومى واتوحد مع البطل واعيش حياته...... احزن لحزنه واطير فرحا لفرحته



دخلت السينما فى معظم البلاد التى زرتها وهى لا تختلف كثيرا عما فى بلادنا غير الاهتمام المبالغ فيه بالنظافة وكذلك النظام اما بالنسبة للصوت والصورة فاصبح الكثير من السينمات المصرية الان على درجة كبيرة من التطور .....

الا انه من الصعب نسيان سينما دخلتها فى هولندا وبالتحديد فى مدينة لاهاى وهى مخصصة لعرض الافلام العلمية فقط وشاشتها تحيط بالمتفرج 180 درجة مما يعطى مساحة رؤية عظيمه وكذلك الاجهزة الصوتية فى القاعه تخلع القلوب من مكانها والكرسى ممدد بحيث تجلس وكانك نائم لترى مالم تره من قبل ..... السينما كما هو مكتوب عنها انها من ضمن ثلاث سينمات فقط فى العالم مجهزة تجهيزا خاصا ودخلتها مرتين كان العرض الاول عن حرب الفضاء والاخر عن عالم البحار .... الفيلم الثانى كان مبهرا فى كل شئ والمؤثرات الصوتيه عظيمة لدرجة احساسى انى فعلا فى وسط البحر ومش ناقصنى غير .....عوامه!!!!



يتبقى سؤال اخير اعتقد اننى لم اجب عليه بعد ؟؟؟ الا وهو اى نوع من السينما احب ان اشاهد ؟؟؟ والاجابة عن هذا السؤال هو جملة واحدة هى ..... اى حاجة !!!

ولهذه الاجابة قصة اخيرة .....كان فى مدينة حلوان سينما وحيدة تسمى سينما فينوس وفى احد الايام السودا وكنت وقتها طالبا بالاعداديه مغرما بافلام الاكشن وكانت هذه السينما تعرض الفيلم العظيم الجبار لاحمد رمزى ( الابطال ) وهو اول فيلم كاراتيه مصرى كما كان مكتوبا على افيش الفيلم .... وذهبت للسينما وذهلت عندما وجدت ان نص المدرسة كانت مصطفة على الكراسى تنتظر بداية العرض.... اشار لى احد الزملاء بالجلوس بجانبه واخذنا نمنى انفسنا برؤية فيلم يضارع افلام بروسللى واللى كانت مكسرة الدنيا وقتها ........وبدأ الفيلم !!!
ويا لهول ما حدث ...... لقد كان الفيلم هو فيلم سيد قشطة للممثل العظيم عادل ادهم والهام شاهين ..... ولا اعتراض على الفيلم فى حد ذاته ولكننا كنا ذاهبين لفيلم ضرب ...... لقيناه مناظر !!!!

بدات الهمهمة فى السينما ترتفع .... الى ان قام احد الزملاء والذين كنا نعدهم من الاباء الاوائل لنا ..... نظرا لرسوبه فى الاعداديه 3 سنوات متصله قام وصرخ هاتفا ..... ايه ده ؟؟؟ مش ده الفيلم اللى احنا داخلينه !!!! سيما اونطة ..... عايزين فلوسنا !!! وارتجت السينما بالهتاف من وراءه سيما اونطة .... عايزين فلوسنا !!!! ومع تكرار النداء توقفت الشاشة عن العرض واضيئت الانوار وحدث الاتى .......

مجموعه من البلطجية والمسجلين يحملون احزمة وكرابيج دخلوا الصالة فجاة واخذوا يسالون الجالسين.... تشوف الفيلم ولا عايز فلوسك ؟؟؟ طبعا اجاب الجميع بانه فيلمهم المفضل .... الا انا !!!

عندما اتى احدهم وسالنى سؤاله الفاصل الحاسم رددت بسرعه وخوف .... اى حاجه !!!! فرد وهو يصرخ فى وجهى ... يعنى ايه اى حاجة هتشوف ولا مش هتشوف ؟؟..... وانا لا ازال اكرر من الخوف .... اى حاجة .... اى حاجه !!! ولم ينقذنى سوى زميلى الجالس بجانبى والذى رد نيابة عنى .... ده غلبان يا باشا هيشوف الفيلم كله ان شاء الله !!!!

ومن يومها عندما اسال عن اى انواع السينما احب ..... ارد بلا تردد ..... اى حاجه !!!!

محمد شلتوت

الاثنين، 11 أبريل 2011

عيون !!!

البلد باظت .... مصر راحت خلاص .... تبقوا تقابلونى لو الثورة دى نجحت ..... والله حرام عليكم وديتوا البلد فى داهية ..... هذه نماذج بسيطة لما اسمعه تقريبا كل يوم سواء من بعض اقاربى او بعض الاصدقاء او حتى زملاء العمل والذين ما ان تدخل معهم فى مناقشة ويحسوا بانك من مؤيدى الثورة حتى تدخل نفقا لا نهاية له من المناقشات المحشية بكلام من نوعية هوه مين الحمار اللى قالك كده ؟؟؟؟؟ او انت اكيد بتحلم يا عم الحج !!!! بكرة الاخوان يلبسوكوا طرح ؟؟؟ انت لسه بتكرر كلام الجهلة بتوع الميدان !!!........ هذه هى العينة اما التفاصيل فاعف عن ذكرها

الطائرة تتجه الى فرانكفورت محملة ببقايا المان كانوا لا يزالون بالقاهرة بعد احداث الثورة وكذلك بعض المصريين الذين تقطعت بهم السبل وكان لابد من عودتهم لاعمالهم بعد غياب طويل بمصر لم يستطيعوا ترك اهاليهم والبلاد تمر بهذا الظرف العصيب ....... الطائرة تمتلئ بحوالى ربع اجمالى عدد الركاب مما اتاح للكثير منهم ان يستحوذ على ثلاث كراسى دفعة واحدة ليحولها الى سرير يقاوم به طول الرحلة وميعادها المبكر الذى جعل معظمهم يغط فى نوم عميييييييييييييييييق !!! كما اتاح هذا العدد الفرصة لنا كطاقم ان نجلس فترة طويلة نتبادل فيها النقاش حول اوضاع البلد ...... كنا ثلاثة زميلتان احدهما من جيل الوسط والاخرى من تلك النوعية التى لا تعرف شيئا على الاطلاق وكلما سمعت معلومة او راي فتحت فمها بشدة وهى تشهق ..... معقولة .... مش ممكن .... ايه ده؟؟؟ الكلام ده فى مصر ..... جعلتنى احس بعد خمس دقائق فقط من الكلام معها انها تعيش فى النرويج ...... او انها من اهل الكهف والتى نامت ثلاثمائة عام ثم استيقظت فجاة على حقائق لا تعلم عنها شيئا ..... تركتها فى ثباتها العميق وبدات فى مناقشة الزميلة الاخرى والتى كانت تهاجم الثورة هجوما عنيفا وكلما حاولت الرد عليها جاءت كلماتها قاسية جارحة ...... احاول ان امتص غضبها الا ان هجومها الكاسح الغاشم الزمنى الصمت ..... الى ان وقعت الواقعة وقالت بسخرية هوه كل واحد حرامى مات وهوه بيسرق ...... هتعتبروه شهيد !!!! صرخت فيها .... بس كفايه لحد كده .... لك رايك الذى احترمه .... ولكن هناك شهداء بالفعل ماتوا من اجل ان نعيش حياتنا احرار .... خرجوا من بيوتهم ليس معهم سلاح وواجهوا جيش من الشرطة مسلح باعتى الاسلحة وارجوكى فلنغلق المناقشة عند هذا الحد ....... اكملنا الرحلة بدون كلام .... كل منا يؤدى عمله ولكن فى النفس غصة ..... لم يهون على الرحلة الا زميلتنا الجديدة القادمة من الكهف والتى كانت تسالنى كل خمس دقائق سؤال ينم عن جهل فاضح وثقافة منعدمة ..... واعتقد انه ليس ذنبها بل هو نتاج تعليم عقيم واعلام متخلف انتج لنا شباب مشوه ارجو ان يكون مستقبله افضل حالا منا .....


وصلنا الى فرانكفورت وبدانا فى اعداد الطائرة لرحلة العودة وبدا ركاب العودة فى الصعود واحدا تلو الاخر ....... ثم سمعت جلبة فى مقدمة الطائرة ووجدت كل الجالسين فى درجة رجال الاعمال يقومون بتقبيل فتى اسمر يمسك بيده رجل عرفت بعدها انه والده ...... سالت عن الشاب فقالوا لى انه بطل من ابطال التحرير كان يعالج فى المانيا رجعت لزميلتى بالخلف واخبرتها بوجود الشاب .... استهزات بى وقالت هما لحقوا يتصابوا مش كانوا كلهم شهدا ؟؟؟


اقلعت الطائرة وانا اتحرق شوقا للسلام على الشاب والتحدث معه عن ذكريات الميدان وكيفية اصابته الا اننى لا اعلم لماذا اصررت على اصطحاب زميلتى معى لتسمع منه شخصيا ما حدث ولتساله عن كل ما يدور فى ذهنها واعتقدت انه انسب شخص يستطيع الرد عليها ..... وافقت على مضض وهى تقول هاوريك انهم كلهم افاقين !!! اقتربنا من درجة رجال الاعمال ورايته جالسا بجوار والده فاتجهت اليه مباشرة وانا اقول .... ازيك يا بطل .... الف حمدلله على سلامتك .... مد يده تجاهى فامسكت براسه وقبلتها وجاءت من ورائى زميلتى ومدت يدها للسلام...... فلم يمد يده ..... انتظرت مدة مادة يدها فلم يحرك يده ولم ينظر نحوها قطع الموقف المحرج والده وهو يمد يده لها بالسلام بدلا من ابنه قائلا معلهش يا بنتى ..... اصله متصاب فى عينه وكنا هنا بنحاول ننقذ التانية ..... سمعت انا وزميلتى ما قال ونحن فى ذهول.....وبعدها انسحبت زميلتى مباشرة للخلف واكملت كلامى مع البطل ووالده وصدقونى والله لم ارى ابتسامة رضا كمثل التى رايتها على وجه هذا الفتى بعد ان تحادثنا ..... همست فى اذن والده قائلا ... طب فيه امل ان شاء الله فرد فى ايمان ..... عوضنا على الله يا بنى .......كله فدى مصر انسحبت حزينا متجها لمكانى باخر الطائرة ولم اتحدث مع زميلتى مرة اخرى ولم تحاول هى ... وحتى عندما كانت تلتقى عينانا .... كانت تهرب بسرعة وقبل هبوطنا بالقاهرة .... وجدتها توجه كلامها لى بعصبية وهى تقول .... على فكرة يا محمد الظباط دول كانت عندهم اوامر بضرب النار وده امر .... عارف يعنى ايه امر ؟؟؟... وبعدين يا اخى كل حته فيها الكويس والوحش...حتى احنا فى الضيافة عندنا الصالح والطالح قلتلها صح عندك حق ..... بس احنا ما بنفقعش عين الركاب ..........

محمد شلتوت

الثلاثاء، 22 مارس 2011

ليبيا ..... الرحلة الاخيرة

كانت الساعات تجرى بسرعه قبل بدء الحظر الجوى على ليبيا والشركة لا هم لها غير نقل اكبر عدد من المصريين المتواجدين هناك والذين يواجهون مصيرا لا يعلم نهايته الا الله ......
مصيرا يواجهون فيه غضب الشقيق المخدوع وقسوة الوطن المنهوب ومرارة التعب الذى راح هباء
عائد للوطن مسلوب الكرامة والنقود ....... عائد لا يحمل الا دينارات اخفاها بين طيات ملابسه وهو لا يعلم انها لم تعد ذات قيمة ........
هذه كانت هى الرحلة الاخيرة لى لبلاد اتمنى لها ان تعود ........

جرس الهاتف يرن وطلب مهذب فى ان استعد للذهاب لطرابلس لخامس مرة على التوالى ....... اعلم كم العدد الهائل من الرحلات الاضافية واعرف ان هناك الاف ينتظرون الرحيل فابتلع اى نقاش واكرر على مسامع طالبى رقم الرحلة ووقتها ......
منذ ان بدات بالعمل لم احصى بالضبط عدد الرحلات التى قمت بها الى طرابلس ولكنها كانت المرة الاولى التى انظر فيها من النافذة اثناء الهبوط ........
يا الله ما هذا الجمال ....انها بلاد خير .... لماذا يفعل الحكام ببلادنا هذا ؟؟؟؟ لماذا يدمرونها من اجل كرسى زائل ؟؟ لماذا على الوطن ان يرحل من اجل ان يبقى الحاكم الى الابد ؟؟؟

هبطت الطائرة وكان علينا ان ننتهى من اجلاس الركاب كى تقلع الطائرة سريعا بالهاربين من الجحيم ..... وجوههم مرهقة ..... معظمهم فقراء ... بسطاء .... تركوا بلادهم بحثا عن حلم فوجدوا كابوس بانتظارهم
لن انسى تلك الاسرة التى اتت بعد ان امتلات الطائرة بالركاب ولم يعد هناك موضع لقدم فى الطائرة وكان الاب يتوسل وهو يبكى ارجوكم خذونى معكم ...
فرد عليه قائد الطائرة ..... والله مافيش مكان ..... استنى ساعة واحدة فيه طيارة تانية ...... فيرد عليه وهو يغالب دموعه طب نقعد على الارض ... ارجوك ....عشان خاطر العيال ..... كان من المستحيل ان نقبلهم ..... وكان على ان اغلق باب الطائرة استعدادا للتحرك وانا اراهم وهم يبتعدون وصرخات الاطفال تتعالى ..... ونظرة الاب تلاحقنى وهى تسال هل ستاتى طائرة اخرى بالفعل ؟؟؟؟؟

تحركت الطائرة وجاء موقعى امام اثنان هم افضل من بالطائرة حالا وكلاما
اكتشفت بعد الحديث معهم انهم من طاقم تدريس جامعة طرابلس وبعد حديث ودود سالتهم بعد تحرج كيف تقبلون ان تاتوا الى هنا لتعملوا ...... استاذ الجامعه يحتاج للحرية ..... كيف تعملون هنا ؟؟؟؟
حكى لى احدهم ان الطلبة يتجسسون عليه وان الحالة هنا ليس فيها ابداع علمى ولا يحزنون ..... ورد الاخر قائلا استاذ الجامعه يابنى مثلما يحتاج للحرية يحتاج ايضا للنقود ...... وفى بلادنا لا حرية ولا نقود !!!!

وبرغم مما كانت تمتلئ به الطائرة من مآسى وآلام الا ان النكتة المصرية لم تغب فعند توزيع الطعام سالنى احدهم ..... انت منين يا استاذ ؟؟؟؟ فرددت .... انا من حلوان.... عارف حلوان ؟؟؟؟ فرد ضاحكا ... طبعا اعرف حلوان .... بيت ... بيت ... زنقة .... زنقة ... دار ... دار..... فانفجرنا جميعا فى الضحك

عند اقتراب الطائرة من مطار القاهرة ... قام رئيس الطاقم بتشغيل اغنية شادية ...... يا حبيبتى يا مصر .... ويا لهول ما رايت وسمعت
انهارا من الدموع وصريخا من الزغاريد ........
محمد شلتوت

الأحد، 6 مارس 2011

عودة بعد غياب .....


ها انا اكتب بعد ان مرت بى ايام وليالى لا اعتقد اننى كنت احلم ان اعيش مثلها او اننى ساعيش مثلها ان امد الله فى عمرى .......
ايام ساحكى عنها بادق التفاصيل ..... كيف عشتها وكيف كانت مصر وقتها _ وما تزال _ تعيش

حادثنى الكثير من الاصدقاء لكتابة خواطرى ويومياتى عما حدث الا اننى لا زلت لا استطيع ان امسك بالقلم لاخط كل ما راته عيناى من مشاهد وما امتلأ به صدرى لابوح به ......
من الان فصاعدا لن يكون هناك خوف وساحكى دون مواربة او التفاف ...... ساحكى وليس هناك رقيب غير الله وضميرى ..... لن اخاف من امن دولة يراقب ما اكتبه .....أو امن شركة يتابع ما تخط يداى وينقب فى ضميرى ليتصيد تهمة يلفقها لى ليمنع رزقى وكانه اله يمنح ويمنع- يعطى وياخذ- يحيي ويميت .......
يالله كيف استطعنا ان نعيش كل هذه الاعوام ونحن مكممى الافواه .....
كيف تحمل هذا الشعب العظيم كل هذا الظلم والفقر والتجهيل .....
وبرغم كل ما يحدث الان الا اننى رغم كل هذا متفائل ...... نعم.... متفائل وانا الذى وصمنى اصدقائى بالمتشائم الاعظم .....
متفائل برغم انهم تركونا وظهورنا للحائط لكى نحمى انفسنا بنفسنا من شر البلطجية واللصوص الذين اطلقوهم علينا .....
متفائل برغم السياحة المنهارة والرحلات الملغاة وقعدتى كل يوم فى البيت .....
متفائل لاننى لاول مرة فى حياتى اشم هواء نظيف واحس ان ابنائى سيعيشون فى وطن حر ....
متفائل لاننى رايت فى الميدان مصريين غير الذين كنت اعرفهم وكنت اراهن على اننا نسير جميعا بخطى ثابته نحو الهاوية
متفائل رغم انه ليس هناك شئ ملموس يدعو الى هذا والجميع حولى يصرخ بان البلد باظت وانا اقسم انها اتصلحت
وحياة الشهدا الاطهار اللى ماتوا ....... البلد دى هتبقى احسن
وحق دخان القنابل اللى ملأ صدر الشباب ........ البلد دى ماهترجع لورا
وكرامة الملايين اللى خرجوا من بيوتهم عشان يقولوا للظالم امشى ........ هنكمل المشوار

سمعونا الفاتحة على روح الورد اللى اتقطف ...... عشان احنا نعيش
محمد شلتوت

الخميس، 30 ديسمبر 2010

الانتخابات .... وسنينها السودا !!!


بمناسبة انتخابات رابطة المضيفين والتى جرت فى جو ديموقراطى هادئ ومحترم اعاد لى الثقة مرة اخرى فى جدوى الانتخابات بعد ان كنت عازفا عنها لمدة طويلة نظرا لخبرات اقل ما توصف بها انها خبرات زبالة ......

فى بداية التسعينات وفى واحدة من تلك الجولات الانتخابية المسرحية والتى تمتلأ بالكومبارس المعروفين والبطل الذى يتم اختياره من قبل المنتج ..... قامت واحدة من جاراتنا الافاضل بترشيح نفسها عن الدائرة وقامت دون اختيار منى بتسجيل اسمى كمندوب عنها فى احدى اللجان الانتخابية المنتشرة فى حلوان........ولأن هذه السيدة هى ام صديق عزيز ونظرا لانها لا تقبل الراى الاخر وهذا ما كنت اراه دائما على جسد ووجه ابنها فلقد استسلمت مرغما لطلبها مع وعد منها شخصيا بتوفير عدد كبير من سندوتشات البولبيف المستورد على كل اصحاب ابنها من مندوبى اللجان –لابد من التركيز هنا على ان الوعد كان بولبيف مستورد وليس محلى نظرا لانتشار شائعة وقتها ان البولبيف المحلى هو لحم فاسد منتهى الصلاحية ...... لم تكن الحمير والكلاب وقتها قد دخلت على خط .....الانتاج !!!
توكلت على الله وتوجهت صباحا للجنة التى تم تحديدها لى للمراقبة واستلم رئيس اللجنه منى التوكيل وكان رجلا طيبا مهذبا اخذ يتسامر معى ويسالنى عن اى كلية اقوم بالدراسة فيها وعندما علم انها الاثار قال ضاحكا انهم اكيد ايام الفراعنه كانوا بيستخدموا التوابيت بدل الصناديق فى الانتخابات ............وانتصف النهار ولم يحضر للجنة التى تشغل احد المدارس والتى كانت فى الاصل احد قصور امراء العصر الملكى البائد وتحولت بقدرة قادر الى مدرسة ابتدائية
لا اعلم كيف تم تتغيير ملامح القصر لتتحول حجراته لفصول يشخبط التلاميذ على جدرانها ويتلفون البقية الباقية من تراث اقل ما كان مفروضا له ان يسلم لهيئة الاثار؟؟؟ .......لكن اكثر ما اضحكنى انهم وضعوا غرفة الناظر مكان غرفة نوم الامير بحمامها الخاص واتساعها المفرط !!! وجعلوا غرفة المدرسين مكان غرفة الخدم بحمامها البلدى ومكانها المزرى اسفل البدروم !!!
المهم انتصف النهار ولم يحضر غير تلك السيدة الفاضلة التى وكلتنى عنها لتدلى بصوتها ووكلتنى ايضا سندوتشات البولبيف المتفق عليها والتى اعطتنى الدافع للاستمرار بقية اليوم بعد ان كنت عاقد النية على التزوييغ بعد ان انتهى الكلام مع رئيس اللجنه ومع المندوبين الاخرين واصبح اليوم كئيبا تمر ساعاته بطيئة وصندوق الانتخابات لا يحتوى الا على صوت يتيم يشكو الوحدة داخل هيكل خشبى لا يعلم الا الله ما بداخله .......
وعند العصر فوجئت بجموعة كبيرة من الناس المهمين والذين دخلوا اللجنه فجاة وبدون اية مقدمات وينادون بعضهم بفلان بيه وعلان باشا دخلوا جميعا دخلة رجل واحد فتفرق الرعب بين المندوبين ورئيس اللجنه وفجاة وبصوت عال نادى كبيرهم......ياريت مالاقيش حد فى اللجنه ....كله بره!!!التزم الجميع الصمت وكان معظمنا من شباب الجامعه الا رجلا كبيرا منا كان قد تعدى الخمسين رد صائحا : ازاى يا باشا نسيب اللجنه ...... احنا هنا مندوبين عن المرشحين
فرد الباشا بصوت كالرعد : انت راجل كبير وشكلك محترم ومش حمل بهدلة ....اتكل على الله
نظر الرجل فى الارض خانعا واتجه خارجا من الغرفة ومن وراءه الجميع يجر اذيال الخيبة ....
سالت زميلى الذى يمشى بجوارى بصوت هامس : هما بيخرجونا بره ليه ....هما هيعملوا ايه ؟؟؟
فرد ضاحكا : شكلهم هيعملوا حاجات قلة ادب ..... الا انه ابتلع ضحكته بسرعه بعد ان راى الباشا ينظر اليه متجهما ....
الا ان اغرب ما سمعته يومها هو صوت رئيس اللجنه وهو يخرج تاركا اللجنه مهرولا متحججا بان عليه ان يلحق صلاة العصر مع ان صلاة الظهر قد فاتته وهو يلعب كوتشينه مع احد المندوبين .......استغرق الوقت اقل من ساعة حتى سمح لنا بالرجوع مرة اخرى وعندما عدنا وجدنا الدفتر المسجل فيه اسماء الناخبين قد امتلأ عن اخره ثم حاول رئيس اللجنه تحريك الصندوق فاذا به كالوتد المتين لا يهتز فضحك الرجل قائلا ..... ماشاء الله اتارى المشكلة كانت فينا واحنا مش واخدين بالنا مش كنا قمنا صلينا من زمان ......
ساعتها ابتلعت مرارة حلقى وعاهدت نفسى الا اشارك فى اى انتخابات لاحقة حتى ان زملائى فى الجامعة ما زالوا يذكرون لى وقت انتخابات اتحاد الطلبة اننى كنت اسلم الورقة بعد ان اشطب عليها وكاننى اعلن عصيانى لكل انتخابات لا تشوبها الشفافية والنزاهة ......
كم تنتابنى السعادة حين ارى انتخابات نادى او رابطة او نقابة قادر اهلها على ادارتها بما يرضى الله والشعب وكم احزن لاننا نعيش فى وطن اصبح اقل من نادى .......

محمد شلتوت

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

يا ترى مين يعيش ؟!!!

كلما مر طيف صورتها على ذاكرتى اشعر بارتياح غريب .....
وعلى كثرة ما رايت من عيون تظل عيونها هى الاقوى تاثيرا والاعمق اثرا فى نفسى .....
لا يزال صوت ضحكتها يرن فى اذنى وكاننى قد سمعته للتو ......
هى لا تنسى وان حاولت ولا تترك لو عادت بى الايام .......


كانت طائرتنا المتجهة الى باريس فى اوج بهائها وهى مذدانة بتلك الكوكبة الرائعة من الاعلاميين المصريين المتجهين لعاصمة النور لتغطية حدث اعلامى كبير ..... لم تكن الطائرة ممتلئة بالركاب ولكنها كانت مكتظة بالضحكات والقفشات من اناس كل عملهم هو جذب المشاهد وجعل عينيه لا تتحرك من امام التليفزيون ناهيك عن انه اساسا لا يستطيع اغماضها .......
فى اخر الطائرة .....وهناك حيث الركن البعيد الهادئ والذى يكاد يلتصق بمكان عملنا الخاص بتحضير الطعام والمشروبات كانت تجلس تلك السيدة الارستقراطية الخمسينية العمر وبجوارها ابنتها ذات الملامح التى لاتستطيع تحديد هل هى اسبانية الاصل حيث امتزج العرب باوروبا ام هى لبنانية الجذور حيث اختلط الاوربيون بالعرب ......
كانا يجلسان فى منطقة العمل الخاصة بى ..... وعند بدء تقديم الطعام والسؤال التقليدى عن الاختيار المفضل ....التقت عينانا
يالله !!! هل هناك مثل هذا الجمال ؟؟ عينان تاخذاك بعيدا حيث زرقة السماء وطيبة البشر وجمال النفس ....
هل كل هذا من مجرد نظرة ؟؟ نعم فأنا من نظرت وانا من شعر بكل هذه الاحاسيس ....وقفت مذهولا لا اسمع ولا احس شيئا
الى ان وجدت يدا رقيقة تهزنى برفق وصوت الام يقول فى هدوء : ايه يابنى ايه اللى حصلك ؟؟؟
تنبهت فجاة وكاننى افقت من تاثير مخدر قوى فوجدت ابتسامة جميلة تكلل وجه الفتاة وهى تقول ....
- هيه الاختيارات ايه ؟؟؟
- فاجبت : ايه ده ...انتم بتتكلموا عربى ....انتم مصريين ؟؟
- ردت الام فى سخرية : لأ ...احنا .... المان
- رددت عليها : ايه ده بجد حضراتكم شكلكم مصريين خالص ...يبقى انتم اكيد المان من شبرا
- ضحكت الام وقالت : يابنى احنا مصريين ابا عن جد ومن ميت غمر كمان
- اكملت الحوار قائلا : تصدقى حضرتك انا افتكرتكم المان فعلا حتى كنت خلاص هاتكلم معاكم المانى
- ردت ذات العيون الساحرة : ايه ده هوه انت بتتكلم المانى ؟؟؟
-فرددت ......لأ طبعا
- اخذا يضحكان وقدمت لهما ما طلباه .......
وبعد ان انهيت عملى واثناء تفقد كابينة الطائرة وجدت الام تجلس وحيدة حيث تركتها الابنة ودخلت حمام الطائرة ووجدتها تطلب فى ود الحديث معى لدقيقة فاجبتها وان اصابنى القلق لان ملامح السيدة كانت تدل على انها تريد الكلام فى موضوع هام .....
- اتفضلى يا مدام ...عايزة ايه ؟؟؟
- والله يابنى مش عارفة اقولك ايه..... بس هوه انت تعرف حد عايش فى فرنسا ؟؟!!
- يعنى ....اه ...عندى واحد صاحبى عايش هنا وبيشتغل فى السياحة
- طيب يقدر يتصرف لنا فى شقة صغيرة لمدة طويلة بسعر مناسب
- مش عارف !! بس انا ممكن اساله واشوف رده ايه ؟؟ هوه حضراتكم ناويين تقعدوا هنا كتير .........؟؟؟
- اه ....حسب التساهيل....ادعيلها !!
- ادعى لمين ؟؟
- ادعى لبنتى .... اللى قاعدة جنبى
- اصابتنى هزة شديدة جعلت كلامى اشبه بالتخريف ...مين ؟؟ ليه ؟؟ هى عندها ايه ؟؟
- عندها سرطان وجايين نبتدى العلاج وربنا يرحمنا برحمته
- سمعت الجملة الاخيرة وكان صدمة كهربائية شديدة قد ضربتنى فجاة فجعلتنى كالمذهول اعيد السؤال
- بنت حضرتك اللى قاعدة جنبك دى عندها سرطان
- ايوه يا بنى
- سرطان ايه ؟؟
- ورم سرطانى فى المخ
- لا مش ممكن .....صرخت فى انفعال
- ارجوك ....هيه لغاية دلوقتى مش عارفة والموضوع لسه فى البداية واحنا املنا فى الله كبير......هاتقدر تساعدنا
- اه طبعا ....ما تقلقيش من المسالة دى .... واللى هاقدر عليه هاعمله
خرجت الفتاة من الحمام وعادت لمكانها وامها تضغط على يدى وكانها تستحلفنى ان يبقى حوارنا سرا بيننا .....
انهيت الحديث بسرعة والله وحده يعلم كم مرت عليا الساعات المتبقيىة حتى وصلت الطائرة لباريس
جلست خلالها مختبئا مكتئبا فى المطبخ الخلفى لا اريد ان اترك مكانى حتى لا تلتقى عينانا مرة اخرى
وعند البدء فى الهبوط كان لابد من مرورى النهائى للتاكد من ربط الركاب لاحزمتهم وعند المرور بمقعدهم اذ بها تفاجئنى بالسؤال ....
- انت جيت باريس كتير ؟؟؟
- اجبت وقلبى يتمزق .... ايوه جيت كتير جدا
- اصل احنا شكلنا هنقعد هنا مدة وعايزاك تقوللى الاماكن اللى ممكن ازورها ؟؟!!
- اخذت اعدد لها الاماكن ونظرى يتنقل فيما بينها وبين والدتها التى اخرجت منديلا كبيرا لتدارى به دموعا سقطت منها
لم استطع الاستمرار فانهيت حديثى بسرعة قائلا .....
ويا ستى ان شاء الله اقابلك فى العودة وتحكيللى على كل الى شفتيه .....
فاذا بها تتنهد وتنظر الى امها قائلة فى هدوء ......... يا ترى مين يعيش ؟!!!!

محمد شلتوت

الخميس، 2 ديسمبر 2010

حكاية كل يوم

كان الشارع الذى كنت اسكن فيه بحلوان اشبه بحارات السينما المصرية القديمة والذى ما ان يهل منظره على الشاشة حتى تحس بالدفء وتشعر بان الناس كلها اهلك وعشيرتك . على ناصية الشارع كان هناك الاسطى فلفل العجلاتى الجميل والذى كان اكراما لابائنا يؤجر لنا اى عجلة نختارها دون ترك العربون الشهير والذى اشتهرت به المناطق الشعبية فى مصر الا وهو ترك الحذاء او الشبشب مرهونا حتى يضمن رجوعنا فى الميعاد المحدد والا استلمت حذائك ناقصا فردة حتى تدفع فرق الوقت .....كان الاسطى فلفل عظيما وهو يشخط فى ابناء المناطق الاخرى والذين يشتكون من فرق المعاملة ......ايه هوه انتو ولاد المنطقة !!! كل واحد من دول اعرف ابوه واهله ....اما انتم اعرفكم منين ؟؟؟
والى جوار الاسطى فلفل كان يوجد محل عم انور المكوجى ...هذا الرجل العجيب والذى كان قادرا على كى اصعب انواع الاقمشة فتخرج من تحت يديه ملساء من غير سوء...... بالاضافة الى قدرته المدهشة على اخفاء لسعات المكاوى وكانه يرسل برسائله لكل ربات البيوت ...بان يعطوا العيش لخبازه ..... ورغم مهارة عم انور الفائقة الاانه كان ذو عيب خطير ....كان مدمنا للسجائر ....طب وايه المشكلة ؟؟ المشكلة ان كل الملابس التى كان يكويها كانت ترجع الينا معبقة حتى الثمالة برائحة سجائره الغزيرة والتى تجعل منك وانت الذى لم تشرب سيجارة واحدة فى حياتك ثم ارتديت الملابس التى كواها تجعلك وكانك ولدت فى مصنع للسجائر...... ورغم هذا ورغم كراهية ابى الشديدة لرائحة السجائر الا انه كان يصر على ذهاب الملابس له مفضلا اياه على ذلك المكوجى البعيد والذى تعامل معه ابى ذات مرة فاقسم بعدها انه لن يعود له معلنا انتصارعم انور بجملة شهيرة لا زلت اتذكرها .....على الاقل انور بيشرب سجاير مستوردة !!!!
كنت قبل ذهابى للمدرسة صباحا اذهب لعم انور لاسلمه ملابسنا التى لا تزال تحمل ندى الصباح على ان يعود لنا بها فى اخره محملة برائحة السجائر وكنت ارى الرجل وقد بدأ نهاره بعمل فنجان القهوة والتى كم تمنيت يوما ان اساله عن اى نوع من البن كان يشرب .....يالله كم كانت ذات رائحة جميلة عتيقة وصوت الشيخ محمد رفعت يصدح من مذياع تم ضبطه على اذاعة القران الكريم ......طوال عشرون عاما رايته فيها لم يتخل الرجل عن عاداته الصباحية وكانها قانون قد وطن نفسه على احترامه .....لم يكن له صديقا فى الشارع غير الاسطى فلفل ربما كان هذا لتجاور المحلان او لصداقة قديمة لا يعرف سكان الشارع اين بدات وكيف ؟؟؟
كان سكن عم انور هو ذات المحل ولم نعرف له اسرة ولا ابناء وعندما شببنا عن الطوق اخذنا نتسائل كيف يعيش الرجل فى هذا المكان وكيف يقضى حاجته وكيف يعد طعامه ؟؟؟ الا ان اسالتنا لم نجد لها اجوبة وخاصة اننا لم نكن نرى الرجل الا مهندما معتنى بنفسه يقف على ناصية الشارع كل يوم جمعه يسلم على الخارجين من المسجد...... الا اننا ابدا لم نره يصلى او حتى شاهدناه داخلا للمسجد او خارجا منه !!!!
الى ان جاء يوم استيقظ فيه الشارع على صوت عربة اسعاف تحمل جثمان عم انور بعد ان اصابته ازمة قلبية شديدة لم يستطع اثنائها ان ينادى على احد فمات وهو يجاهد ليفتح باب دكانه .....
لم يكتشف الوفاة غير الاسطى فلفل والذى جاء كعادته ليلقى تحية الصباح على صديقه فلم يرد...... فشك فى الامر....وفتح باب الدكان ليجد صديق عمره ممدا بطول المحل وصوت الشيخ محمد رفعت ياتى من خلفه وكانه ينعيه .....
لم ارى الاسطى فلفل طيلة حياتى حزينا كما رايته يوم موت عم انور
كانت صداقتهم حقيقية ليس فيها مصلحة او ادعاء ...
وذهبنا جميعا خلف الرجل الذى عاش بيننا عمرا بالامانة والصدق فلم نرى منه مكروها ولم نجرب عليه غشا او خيانة ....
وهناك حيث المقر الابدى لجثمانه اكتشفنا ما كان خافيا علينا طوال حياته ......عم انور كان.............. مسيحى .


وتمر اعوام ....واعوام ....وبعد تلك الحادثة بعشرة اعوام حدث معى الاتى


احد ايام شهر رمضان والطائرة متجهة فى طريقها لمطار فرانكفورت بالمانيا واثناء تقديم وجبة الغذاء طلبت منى تلك السيدة العجوز ان اضع لها وجبتها بالكامل داخل كيس بلاستيك كى تفطر بها عند حلول اذان المغرب
فاجبتها باننى سافعل لها ماتريد باستثناء الوجبة الساخنه والتى سيصعب وضعها داخل كيس لاحتوائها على صوص اللحم ....بالاضافة الى طول الفترة حتى وقت اذان المغرب مما سيجعلها اقرب للوجبات المثلجة ......
علا صوت السيدة العجوز وهى تطلب منى ان انفذ لها ما تريد وتجهم وجهها وهى تنظر لى مصممة على رايها وانها لن تتنازل عن حقها ابدا ...ابدا
لم ينه النقاش الا تدخل زميلى شريف والذى توجه اليها بقوله خلاص يا امى اللى انتى عايزاه هنعملهولك ....بس انتى اوعى تزعلى مننا .....ولما تيجى تفطرى اوعى تنسى تدعيلنا .....
وانسحب من امامها ساحبا يدى الى داخل المطبخ الخاص بالطائرة وانا اغلى من الغضب وعلى وجهه ابتسامة قائلا
- جرى ايه يا صاحبى انت هتتخانق مع الحاجة عشان وجبة ؟؟؟
- ماهو يا شريف انت مش شايف هيه عايزة ايه ؟؟؟
- معلهش ...يمكن محتاجة الوجبة ؟؟؟
- طب هنقفل الوجبة ازاى ؟؟؟ ده لو الصوص وقع هيبهدل الدنيا ؟؟؟
- سيبللى انت الحكاية دى .... انا هاقفلها كويس
وبعد ان احكم اغلاقها وضعها داخل كيس بلاستيك ولفها لفا محكما وقدمها للسيدة التى تقبلتها منه شاكرة وبعد ان امطرته بوابل من الدعوات بالصحة والعافية قالت له بصوت سمعته وانا اقف ورائها دون ان ترانى :
- اكيد زميلك التانى ده مسيحى ....ده لا بيرحم ولا عايز رحمة ربنا تنزل
- فرد شريف : معلهش يا امى ...امسحيها فيا انا
- انت ...انت ربنا يكرمك .....بالمناسبة انت اسمك ايه عشان اكتبللك جواب شكر
- اسمى شريف يا امى ؟؟؟
- ايوه شريف ايه ؟؟
- اسمى شريف ادوارد .....مسيحى واسم زميلى محمد وده اكيد مش مسيحى !!!
منذ هذه اللحظة وحتى هبوط الطائرة فى مطار فرانكفورت لم تطلب السيدة منا شيئا ولم تقو على النظر الينا وعند المغادرة كانت تجرى لتغادر الطائرة سريعا حتى انها من فرط سرعتها نسيت شنطة يدها والتى حملها شريف ليلحق بها سريعا قبل ان تغادر الطائرة قائلا : ماتنسيش تدعيللى يا امى ....

محمد شلتوت

الاثنين، 15 نوفمبر 2010

داحس والغبراء



يحكى التاريخ ضمن حكاياته المبكية المضحكة ان قبائل العرب اقتتلت فيما بينها اكثر من اربعين عاما والسبب كان سباقا للخيل اشترك فيه حصانان واحد اسمه داحس والاخرى اسمها غبراء ولما تقدم داحس السباق ( وكان سباقا طويلا يمتد ايام ويخترق صحارى وشعاب ) خرج اصحاب غبراء وقاموا بتاخيرداحس وايقافه حتى تتمكن الغبراء من الفوز ولما تكشفت المؤامرة الفظيعه الشنيعه قامت بين اكبر قبيلتين فى جزيرة العرب وهما عبس وذبيان اطول حروب البشر والتى قتل فيها اعظم ابطال العرب امثال عنترة بن شداد وعروة بن الورد وعمرو بن مالك ومالك بن زهير ........وكان السبب للاسف فرسة !!!
ومع التطور الطبيعى للحاجة الساقعه كان المفروض انه مع مرور الزمان وتحضر البشر ان تكبر العقول وان نسمو بخلافاتنا فاذا كان اجدادنا قد اختلفوا على فرسة فاولى بنا ان نختلف على شئ يستحق مثل ..... فيل او زرافة او حتى اسد يستحق الخلاف ولكن بعد كل هذه السنين ونختلف على كورة فهو الذى لا يصح ابدددددددددددا
تذكرت داحس والغبراء ذات يوم اغبر بعد مباراة مصر والجزائر والتى اقيمت فى السودان تلقيت وقتها اتصالا هاتفيا من صديق يكلمنى من هناك وهو يصرخ .......يا محمد انا بكلمك من الخرطوم الوضع هنا مهبب والجزائريين معاهم سكاكيين وبلط وبيضربوا المصريين ومش عارف هرجع ولا لأ .....خللى بالك من العيال يا محمد .....وانقطع الهاتف فجاة وقد تملكنى الخوف على صديقى المهووس بالكرة والذى ذهب الى هناك برغم تحزيراتنا ولكنه اطاح بكل كلامنا عرض الحائط وكأنه ذاهب للجهاد !!!
وبعد يوم كامل من القلق والرعب رجع صديقى ليحكى لى اهوالا لا زالت محفورة فى ذاكرته وغيرت من طريقة تفكيره ناحية الجزائريين بل ومن ناحية العرب كلهم .......
اما انا وبرغم اننى لست من هواة الكرة فلى قصة غريبة مع هذه المعركة اقصد المباراة
فبعد الجولة الاولى والتى اقيمت فى مصر تعذر على عدد كبير من الجزائريين الذين حضروا المباراة العودة لبلادهم مباشرة فاخذ بعضهم الطائرات الى تونس ومنها برا للجزائر وفى واحدة من تلك الرحلات قابلت احدهم وكان يجلس هووابنته فى اخر الطائرة وعند تقديم الطعام لهم......
قال لى بصوت محتد : طبعا لو قلتلك انى جزائرى مش هتأكلنى
فرددت :.....ليه بس ؟!!
فاجاب بحدة : عشان انتم يا مصريين يهود
اجبت وقد تملكتنى الدهشة والغضب :لا يا اخى احنا مش يهود احنا عرب ومسلمين وموحدين بالله وارجوك انا هنا اقوم بشغلى فلا تدخلنى فى مواضيع ماليش دعوة بيها .....
واكملت عملى معهم ومع غيرهم بما يمليه عليا ضميرى ورجعت للمطبخ الخلفى وانا اتسائل ما الذى جعل هذا الرجل يمتلئ بهذا الكم من الغضب والكره ؟؟!!
وفى وسط حيرتى فوجئت به فجأة امامى يطلب فنجانا من القهوة فقدمته له طالبا منه العودة لمكانه حتى لا ندخل فى مناقشة جديدة ......
الا انه عاجلنى بالسؤال ....انت اسمك ايه ؟؟
- اسمى محمد شلتوت ....
- شلتوت .....ده كان شيخ من شيوخ الازهر الشريف
- ايوه ..... بس انت عرفت منين؟؟
- عرفت منين !!....ده شيوخ الازهر فضلهم على الجزائر واهله حتى اليوم ....وحكى لى عن مقابلة تمت بينه وبين الشيخ الغزالى رحمه الله فى منتصف السبعينات وكيف ان الجزائريين قد تعلموا من الرجل الكثير والكثير .....
تركت الرجل يسترسل فى كلامه ويحكى عن الغزالى والشعراوى وعن حبه لسماع القران بصوت محمد رفعت ومصطفى اسماعيل
الى ان قطعت كلامه قائلا بس ازاى انت بتحب كل دول ودول يهود......
قطع الرجل كلامه وترك فنجان القهوة من يده وبدء بفك ازرار قميصه وانا فى عجب ....
ثم اشار الى ظهره العارى وقال لى بص شوف حصللى ايه فى مصر شوف انضربت ازاى...... فنظرت فرايت اثرا لسوط يقطع لحم ظهره نصفين تاركا احمرارا شديدا على الجانبيين وكانه خارج طازة من سجن ابو غريب ....... واكمل الرجل
انا طبيب جزائرى جيت انا وبنتى نحضر الماتش هنا اتبهدلنا بهدلة ما قدرش اوصفها .....تعرف يعنى ايه واحد فى سنى ينضرب بالحزام وبنتى يبصق عليها ....عارف يعنى ايه تخرج من الاستاد بدون حراسة وتترك للغوغاء يحاولوا يصفعوك او يركلوك وعندما تحاول ان تحمى وجهك تتلقى ضربة تطيح بنظارتك فلا ترى شيئا وتحاول ان تبحث عن ابنتك فى هذا الخضم الهائل من البشر المتعصبة المملوءة بالحقد والكراهية دون جدوى
(رايت لمعان الدموع فى عينيه وادركت مصيبة ما حدث وحينها فقط احسست بان كارثة سوف تحدث فى السودان وهو ما حدث بالفعل بعدها ) .......
حاولت تهدئة الرجل قائلا : بس يا دكتور مش كل المصريين كده
رد الرجل : عارف والله عارف .....بس حاول تقنع بنتى بالكلام ده ....خلاص تجربتها السيئة عن مصر حفرت فيها جرح مش ممكن يزول .....
انت ما تعرفش هيا كانت بتحب مصر قد ايه ؟؟! ده هيه اللى مخططة للرحلة وقالت بعد الماتش هنزور الحسين ونقعد على الفيشاوى ونسمع ام كلثوم .....كل ده انتهى !!!
ادخل قميصه وشرب باقى قهوته واخرج لى كارته الشخصى قائلا فى ود : صدقنى والله انا بحب مصر جدا ....مصر ام الدنيا ده كارتى وعنوانى وياريت لما تيجى الجزاير تتصل بينا .......
رددت ضاحكا : ان شاء الله .......تبقى تقابلنى!!!

محمد شلتوت

الأربعاء، 27 أكتوبر 2010

كذب المنجمون.....


برغم ما لحق بمدينة الاسكندرية خلال السنوات الاخيرة من تطوير وتجميل الا اننى لا زلت اعتقد انها لم تحصل بعد على ما تستحقه من اهتمام كونها البوتقة التى انصهرت فيها الحضارتين الفرعونية والاغريقية كما انها اذا ما قورنت بمثيلاتها من المدن الساحلية المنتشرة حول حوض البحر المتوسط نجد انها من اقلهن نظاما ونظافة بالرغم من انها وياللاسف كانت مع بداية القرن الماضى درة تاج المتوسط وحاضرته التى تزهو بنفسها على كل من حاول منافستها .......
لا اعلم لماذا تتبادر الى ذهنى دائما صورة الاسكندرية كلما زرت او مررت بمدينه متوسطيه ولكن عند المقارنه مع اوروبا دائما ما تنتهى بالضربة القاضية ومن الجولة الاولى ويمكن قبل الصفارة....
لم ازر مدينة برشلونة الاسبانية غير مرة واحدة ....مرة واحدة فقط جعلتنى اسقط صريع هواها ...مغرما بمبانيها الانيقة وشوارعها الرحبة النظيفة واهلها الذين لا يختلفون كثيرا عن كل اهل المتوسط والذين تجد ملامح الرضا والهدوء تقفز من ملامحهم وروح المرح تابى الا ان ترسم خطوطها حول ثغورهم .......
برشلونه .....ميناء اسبانيا الاول ....والمدينه السياحية الساحلية الاولى فى اوروبا ذات الاربعة ملايين نسمة والذى ياتى اضعافهم كل عام ليحولوا ليلها نهارا ونهارها مهرجان فلكلورى تتقابل فيه كل اجناس الارض لتضيف لهذه المدينه الجميلة بعدا متعدد الثقافات قل ان يوجد فى غيرها....
كانت المدينه لاتزال تنفض عن نفسها رداء الليل الثقيل عندما هبطت بنا الطائرة فى نهار خريفى حار وصلت فيه درجة الحرارة لما فوق الثلاثين بدرجات والرطوبة ابت ان تترك الحرارة بمفردها فرافقتها فى الصعود حتى ارهقت البشر الذين تناثروا فرادى وجماعات حول شواطئ المدينة يحاولون اطفاء حرارة الجو بماء البحر تاركين شوارع المدينه خالية من السكان وكأن حظرا للتجوال قد فرض او ان المدينة قد اصابها وباء ففر سكانها خوفا ورهبة ......
بالرغم من تجوالى فى بلاد العالم وعلى جملة ما رايت الا اننى عشت فى هذه المدينه تجربتين غريبتين كلما جاء ذكر برشلونة قفزتا الى ذاكرتى على الفور فابكى .....ثم .....اضحك !!!
فى هذه المدينة حضرت لاول واخر مرة فى حياتى عرضا لمصارعة الثيران ....وياليتنى لم احضر...... ففى هذا اليوم شاهدت مالم اشاهده من قبل
شاهدت كيف يتحول الانسان المتمدن المتحضر لانسان همجى لا هم له الا قتل حيوان مسكين وتعذيبه وقتله بسادية شديدة حتى يستحوذ على تصفيق الجمهور واعجابه ...والذى فى النهاية قد يتعاطف مع الحيوان الذى يخور من طعنات الخناجر والسيوف فيخرج منديلا ابيضا يلوح به طلبا لرحمة وشفقة كان اولى بها منذ البداية .....
يومها تعجبت من هذا الانسان الغريب الذى وصل للقمر واكتشف الذرة والف الموسيقى وابدع الاداب كيف له ان تكون متعته ان يرى حيوانا لا حول له ولا قوة وهو يتلوى من الالم ويصارع الموت كى ينجو بنفسه من بين يدى مصارع محترف لا يرحم وجمهور اثارته الدماء فصار يصرخ من شدة النشوة ...... واستحضرت فى نفسى نفس المشهد الرومانى الشهير والذى كان فيه اباطرة الرومان يلهون اهل روما بمصارعات الاسود والتى كان يلقون فيها بعبد مارق او اسير اعزل اللهم الا يديه العاريتين واللتان تحاولان ابعاد انياب جائعه وقوة هائلة لا قبل لها بصدها
فهل ما اراه هو انتقام الانسان من الحيوان ومحاولة تصحيح خطأ الامس
يالله لن انسى ابدا منظر ذلك الثور وهو يترنح فى الحلبة وكانه يستعطف المتفرجين الرحمة وصرخات الجمهور تطالب الميتادور بالاجهاز عليه ......
عندها تركت الحلبة مسرعا ناظرا خلفى فى رعب .....
لم انم ليلتها جيدا الامع شروق شمس اليوم الجديد وبقيت طوال النهار مستلقيا مثبتا نظرى فى السقف لا ارغب فى الخروج حتى اتانى جرس التليفون برنينه المزعج ليخرجنى من افكارى فحمدت الله
_ ايه يا محمد مش هتخرج ولا ايه ؟؟؟
........جائنى صوت زميلتى يلح على فى الخروج حيث ان بقية الطاقم قد تفرق فى انحاء المدينه منذ الصباح ......
_ لا والله مش عايز اخرج ....خرج صوتى ضعيفا غير راغب فى اى شئ
_ ازاى يابنى مش هتخرج ؟؟ احنا فى برشلونه ...عارف يعنى ايه برشلونة ؟؟؟!!!
_ ايوه عرفت امبارح ......
_ طب رحت الرمبلا ....؟؟؟
_ ايه الرمبلا دى !!!!
_ اجابت بصوت الخبيرة المحنكة ....الرمبلا دى يا سيدى اكبر شارع فيكى يا برشلونه واصل الكلمة عربى وتعنى الرمل .....يعنى الشارع اسمه شارع الرمال !!!!
_ طب وايه اللى هيخلينا نروح للرمل بس ونبهدل نفسنا .....خلينا قاعدين لحسن يكون هناك مصارعة ديوك ولا كلاب بتعض بعض ...لا لأ بلاش انا هاقعد
_ باقولك ايه نصف ساعه والاقيك تحت !!!! ماهو مش ممكن هانزل لوحدى !!!!
قالتها بعصبية هى نفسها عصبية زوجتى عندما تنتابها الحالة .... اتزنقت يا معلم..... ضغطت على العصب المصرى
المهم غيرت هدومى بسرعه ونزلت وكانت الشمس قد بدات فى تسليم نوبتها للقمر والذى كان مكتمل الحضور فغطى المكان بجو ساحر قل ان تجده فى مكان اخر واتجهنا الى الرمبلا .......
هو شارع عريض خصص للمشاة فقط وانتشرت على جانبيه الاشجار المورقة وفى المساء تجد العالم قد اجتمع كله هناك حيث تختلط لغات العالم كلها لتمنحك لغة واحدة مميزة للحياة التى لاتنام حتى الصباح.....
بدانا المشوار فى شارع الرمال وكلما توغلنا لاحظنا شئ غريب .....
على جانبى الطريق انتشرت العديد من السيدات الغجريات والتى استندت كل منهما الى جذع شجرة وراحت تمارس طقسا من طقوس التنبؤ بالمستقبل فمنهم من يقرا الكف ومنهم من يقرا الكوتشينه وهناك من يخط الرمل ومن يضرب الودع ومن يقرأ الفنجان ومن يمارس انواعا غريبة من محاولات فك طلاسم المستقبل ..... اخذت اشاهد ما يحدث وانا مبهور فلاول مرة اجد هذا الكم الكبير من الغجر فى مكان واحد واخذت اراقب ما يصنعون وكيف يتلقفون ( الزبون ) وهو ذاهب اليهم مسحورا وكانه قد سمع الناى السحرى فتحرك بلا ارادة .....
مهما كانت لغتك فهم قادرون على التواصل معك سواء بكلمات متفرقة من كل لغة او لغة الاشارة او حتى الاستعانة بمترجم حتى يحصلوا منك على ما يريدون ......!!!
_ ما تيجى نجرب يا محمد ؟؟؟
_ نجرب ايه ؟؟
_ نقرا الكف ؟؟؟
_ كف من يا ست الناس .....وحدى الله ....الحاجات دى حرام
_ يا سيدى حرام ....لو اقتنعنا فيها ....احنا بنتسلى !!!
_ لا يا ستى ماهى بتبتدى كده ....وبتقلب جد...
_ يا راجل ما تقولش كده ...احنا ناس موحدين بالله ومش ممكن نصدق كلام زى ده
_ لا معلهش .... اعفينى الله يكرمك انا جتتى مش ناقصة وبعدين ده شكل اهلهم اصلا يخوف ازاى اديلهم ايدى .....هى ناقصة !!!
_ كده يعنى هتسيبنى اروح لوحدى .....هذه المرة قالتها بنفس طريقة اختى عندما تطلب منى شيئا تعرف تماما اننى لا اوافق عليه !!!!
اتجهنا لاحداهن وكانت تربط شعرها المنفوش بمنديل غريب وانفها المعقوف يتدلى منه حلق اغرب الشكل ......نختصر الكلام ونقول انه كان ينقصها مقشة.....نعم هى الساحرة الشريرة بكل تفاصيلها القبيحة والتى اختزنتها ذاكرتنا الطفولية منذ ايام برنامج سينما الاطفال وحكايات امنا الغولة !!!!
اقتربنا منها ببطئ .....فاذا بها تفاجئنا بلغة عربية سليمة .....اهلا بمصر واهل مصر
_ اللهم صلى على النبى ايه ده انتى عرفتى منين ؟؟ ده احنا لسه ما تكلمناش .....امال لو اتكلمنا بقى ......شايف يا محمد !!!! هوه حضرتك من المغرب ؟!؟
_ انا من كل حته ..... كل العالم ده بلدى ....هاتفرق معاكم !!!
_ نظرت لى زميلتى وردت عليها .....لا ابدا ....مش هاتفرق
_ ادينى ايدك !!!
وفجأة وجدتها مدت يدها لتمسك يدى بقوة لا تناسب امراة فى سنها وخجلت من ان اشد يدى بقوة لافكها من قبضة يدها ......
اسقط فى يدى .......الا ان الهمنى الله بان امد يدى الاخرى فى جيب البنطلون لاخرج منه بعض الدولارات محاولا دسها فى يدها الملتفة حول يدى كالافعى فتبدا فى التراخى لتحكم يدها حول النقود فاجدها فرصة ذهبية لاخلع يدى من قبضتها بلا رجعة .....
تحولت لفريستها الثانية والتى كانت جاهزة ومستعدة بدون مقاومة مادة يدها فى كرم عظيم حتى تبدا محاضرتها والتى استهلتها برش شئ اشبه بالدقيق او الملح الابيض على يد الضحية ثم مسحته بفرشة اشبه بفرشاة الرسم فتركت خطوطا بيضاء بعضها طولى والاخر عرضى متعرج ثم دققت النظر فى الخطوط وقلبت الكف يمينا ويسارا وتركته ثم امسكت باذن الفتاة توسوس لها بكلام لم اسمع منه شئ ولكن ما لاحظته ان زميلتى قد تغير وجهها وبدات فى الاهتمام والتركيز الشديد ......
احسست بالحرج فاستئذنت بالانصراف على ان ارجع بعد قليل لعل هذه الحيزبون تكون قد انتهت من تنبؤاتها .
انقضت ربع ساعة كاملة وانا اراقب الموقف من بعيد الى ان رايت زميلتى وقد انتهت وسارت هائمة على وجهها بدون حتى ان تنتظرنى فاقتربت منها متسائلا .....ها ....ايه الاخبار ؟؟ لم ترد على
_ ايه يا ستى .... فيه ايه .....انا بتكلم .....لم اجد اجابة
وفجاة انهارت فى بكاء شديد ومفاجئ
_ ايه بس وحدى الله ..... الوليه دى قالتلك ايه ؟!؟
_ مش ممكن يا محمد مش ممكن !!!
_ هوه ايه اللى مش ممكن
_ الست دى قالتللى حاجات حصلت بالظبط وانا خايفة لتكون اللى قالته عن المستقبل مظبوط .......
_ ماهو من غير سؤال دى شكلها مخاوية ابو قردان نفسه وبعدين الماضى سهل يتعرف عادى يعنى ....بس المستقبل لأ مش ممكن
_ مش ممكن يا محمد مش ممكن الست دى كلامها ما يخرش الميه
_ هيه قالتلك ايه بالظبط ؟!؟!
_ قالتلى ان رحلة بكرة مش هتوصل مصر
_ لا يا شيخه وبعدين
_ وقالتلى انى هتاخر فى الجواز .....ومش هاجيب عيال
_ طب منين الرحلة مش هتوصل مصر ومنين انتى هتتجوزى متاخر ومش هتجيبى عيال
_ ماهى قالتلى ما تركبيش الطيارة بكرة !!!
_ لا والنبى واشيل انا الشغل كله
_ شغل ايه ؟!؟ بتقولك الطيارة مش هتوصل مصر تقوللى شغل
_ يا ستى ده شغل تخريف وانتى صدقتى الكلام ده
_ ماهى قالتلى كده برضه !!
_ قالتلك ايه تانى!!!
_ قالتلى انك مش هاتصدق كلامها وانك .......وانك .....
_ وانا ايه كمان ؟؟
_ قالتلى انك ابن موت .....
_ لا بجد انا ابن موت .....لا يا ستى عايز اطمنك واقولك انى انا ابن ابويا
بطلى تخريف بقى وشيلى من دماغك
_ ايه ده ؟؟ انت مش مصدق
_ لا طبعا مش مصدق
_ وهاترجع على الطيارة ؟؟
_ امال هارجع مصر عوم .....طبعا هارجع على الطيارة !!
_ براحتك انا هابلغ مرضى ومش ممكن ارجع على الرحلة دى ابدا
وفى الصباح تجمع الطاقم وابلغنا كابتن الطائرة بان زميلتنا تعانى مغصا شديدا وانها ذهبت للمستشفى و لن تستطيع الرجوع معنا وسوف تلحق بنا على الرحلة القادمة ......
بالطبع كانت رحلة العودة بالنسبة لى من اسؤ الرحلات التى شهدتها
فما ان تدخل الطائرة فى مطب جوى حتى ينخلع قلبى من بين ضلوعه واتذكر كلمات الساحرة الشريرة فابسمل واحوقل واتلو الشهادتين حتى تعجب زملاء الرحلة من تصرفاتى ....
وما ان هبطنا بمطار القاهرة حتى صرخت وسط زهول الزملاء والركاب اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله ....كذب المنجمون ولو صدفوا ...كذب المنجمون ولو صدفوا ....... يا ساتر يارب هيه ناقصة والله منا رايح هناك تانى !!!

ملحوظة هامة : زميلتى التى كانت معى فى هذه الرحلة تزوجت بعد هذه الرحلة بنحو عام من احد الدبلوماسيين .......وانجبت حتى الان اربعة اطفال مما قد يؤثر على مستقبل زوجها الوظيفى .........!!!!!

محمد شلتوت

الاثنين، 4 أكتوبر 2010

حلال وحرام


كانت المرة الاولى التى تطأ فيها قدمى كوالالمبور – عاصمة ماليزيا والتى شاهدت فيها مدينة اوربية بكافة المقاييس تحضرا ونظاما ونظافة جعلتنى اتحسر عندما اقارن بين ما اعيشه هنا وما اشاهده هناك والذى زادنى حسرة هى تلك الصور التى وقعت تحت يدى لهذا البلد فى اوائل الثمانينات والتى كان حالها تشوفه يصعب ....على الكافر فما بالكم بالمؤمن ؟!؟
ما شاهدته هناك يكتب فيه كتب وهو دليل حى وواضح انه ليس هناك مستحيل وان الشعوب اذا ارادت الحياة فانها تنهض من ثباتها خلف قادتها لتصنع مستقبلا قد يكون حتى وقت قريب ضربا من ضروب الحلم والخرافة .....فى خمسة عشر عاما فقط تحولت هذه البلاد من الحضيض للنقيض ومن نكرة لا تعرف مكانها على الخريطة الى بلاد يشار لها بالبنان
ما شاهدته هناك يكتب فيه كتب ومجلدات سوف ياتى وقت ساسرده عليكم بتفاصيله .....الا ان ما اريد ان احكيه لكم هذه المرة هوعن شئ عجيب شد انتباهى اكثر من مرة ولم اعره انتباها حتى اتضح لى غرابته الشديدة.....................
كان اشد ما لفت انتباهى هناك ان كثير من المنتجات مكتوب عليها كلمة (حلال) وظننت انها للتفرقة بينها وبين غيرها من المنتجات الغذائية التى قد لا تناسب المسلمين من اهل البلاد ......الا اننى بمرور الوقت لاحظت وجود الكلمة على الكثير من المنتجات التى ليس لها اى علاقة بالاغذية مثل المكياج وادوات المطبخ والعديد من المنتجات الاخرى ....فاخذت اسال نفسى هوه فيه طاسة حلال وحلة حرام ؟؟؟؟ واذا ما طبقنا هذا على الروج مثلا يصبح الروج الذى سوف يتم استخدامه فى القبلة الحلال حلالا واذا ما تم استخدامه فى غير هذا فسوف يكون حرام ...حرام !!!
الا ان هذا التفسيرالهلامى بدا فى التلاشى عندما وجدت لعب اطفال عليها كلمة حلال ....فاخذت فى اعادة التفكير فى مغزى الكلمة .......
الا ان قررت مرة طلوع برجى كوالا الشاهقين وهما البرجان الشهيران والتى اقامتهما شركة البترول الماليزية الشهيرة بتروناس وكانا حتى وقت قريب اعلى بناء فى العالم حتى ضرب الرقم القياسى برج الشيخ خليفة فى دبى........ المهم توكلت على الله وصليت الفجر وانطلقت بسرعه لكى احجز مكانى فى الطابور الذى يمتد لعدة كيلومترات حتى تستطيع الحصول على عدة تذاكر لطلوع البرجين _ اقصى عدد هو 5 تذاكر _ وبالمناسبة هى بدون مقابل ويتم عمل رحلات للمدارس والمؤسسات ...والنظام هناك لا يحتمل التهريج ولا ان ياتى لك واحد بلطجى فى وشه عشرات العلامات المائية التى تحدد هويته ويقول لك بصوت لن تنساه( معلهش يا استاذ اصل كنت واقف هنا قبلك بس لا مؤاخذة الحمام نادانى حتى اسأل الاستاذ اللى قدامك ....فينظر الاستاذ اللى قدامك لكما ويحدد مراكز القوى قبل ان يقول بصوت عال كانه يعلن برائته ايوه صح ده كان واقف هنا من امبارح )
فى انتظار التذاكر جاء مكانى امام مرشد سياحى ماليزى ما ان علم اننى من بلد الازهر حتى كاد ان يقبل يدى وانا اقول فى نفسي والله لو علم حالنا لقبلت انا يديه..... وتبادلنا اطراف الحديث وشد انتباهى بثقافته العالية فرايت الفرصة سانحة لاسأله عن معنى كلمة حلال التى اراها فى كل مكان فبدا الشرح لى وانا من الدهشة يكاد لسان حالى يقول ( والله احنا مش عايشين )
طلع حكاية حلال دى ايه ؟!!........انها هيئة تشبه هيئة الاغذية والدواء الاميركية الشهيرة FDA والتى تعطى شهادتها للاغذية والادوية التى يتم تداولها داخل الولايات المتحدة لتعطى لها مصداقية الاستخدام الآمن بعد العديد من الاختبارات المعقدة والتى قد تستمر لعدة سنوات ......هيئة حلال لها نفس العمل وان اختلف المسمى فهى تقوم بفحص الاغذيه والمنتجات المختلفة وتسعى للتاكد من خلوها من اى عناصر قد تحوى حراما مثل الخمور او دهون الخنزير ثم توسع المفهوم ليصبح معناه ان المنتج لا يحتوى ما يضر الانسان وانه على درجة عالية من الكفاءة والجودة وانه – على راى واحد زميلنا – حلال فيه الفلوس ......
ياااااااااه الى هذه الدرجة تقدم هؤلاء الناس وتوسع عندهم المفهوم ليشمل الاتقان والنظام والجودة والفاعلية والكفاءة ليعبر عن حلالا يرجونه فى كل ما يصنعوه.......
لذا فاننى وبمناسبة ما شاهدت هناك وكل ما اشاهده هنا يوميا اطالب بانشاء هيئة (حرام) واطالب بوضع الكلمة على الالاف من المنتجات المنتشرة فى اسواقنا والتى من وجهة نظرى مش حرام فيها الفلوس بس ....ده حرام تفكر تشتريها اساسا .

محمد شلتوت