الاثنين، 27 يونيو، 2011

أبله زينب ....... ومسيو تامر !!!

كانت مدارسنا صغيرة بسيطة .... ولكنها كانت تعلم ..... وكان ابائنا فقراء طيبون ولكنهم كانوا يستطيعون التربية بالفعل .
لن اقول لكم مثلما كان يقول ابى ....( كنا نشوف المدرس جاى من اول الشارع .... نحود يمين او شمال ) ... لن اقول هذا ولكننا كنا نحترمهم ونوقرهم .... نهابهم ولا نخاف منهم ..... ترتعش اصواتنا عند الكلام معهم لكننا فى نهاية العام نرتمى فى احضانهم فرحا بما حققناه من نجاح ... ( هذا حتى نهاية المرحلة الاعدادية ..... اما الثانوية فارجوك راجع بوست .... قصتى مع شكرى ... والتى تروى جانب هام مما حدث لى بالمرحلة الثانوية )।
كان من اهم من علمونى بالمرحلة الابتدائية سيدة فاضلة تسمى ابلة زينب حسين ( اللهم ارحم من علمنى ) وكانت تدرس لنا وكأنها تدرس لابنائها .... يشتاط غضبها اذا ما اخطأ احدنا فى درس انتهت من شرحه للتو... وتطير فرحا بنا عندما تسمع اجاباتنا الصحيحة على سؤال طرحته وكان البونبون فى حقيبتها كبئر بترول لا ينتهى تعطى منه الشطار اولا ثم من اخفق لتحثه على التركيز وتمنيه بالكثير منه اذا اجاب صوابا فى المرة القادمة....
كان فصل ابلة زينب كالمسجد لا همس فيه ولا ضحك – ترمى فيه الابرة ترن- نتحرك فيه على اطراف اصابعنا كراقصى الباليه كما كانت نظرة واحدة منها تكفى لردع من تسول له نفسه الخروج عن النظام
لم تكن ابلة زينب تعمل وحدها وانما كانت هناك منازل تربى تماما كما كانت ابلة زينب تعلم
تعلمنا فى بيوتنا احترام الكبير وخفض الصوت وغض البصر تعلمنا ان كل بنات الحته اخواتنا وان سيداتها امهاتنا وكل الرجال ابائنا واخواتنا الكبار ...... كنا نسابق بعضنا لنحمل كيسا او حقيبة من يد ام صديق لنا او جار .....كنا نخفض اصواتنا فى سهرات الصيف الممتدة بالشارع اذا ما اشتكى جار او نصالحه بحاجة ساقعه فى الصباح لاننا احسسنا _ ولو احساس_ باننا اقلقنا منامه ..... صدقونى هذه ليست حكايات الزمن الجميل انها حقائق عشتها بكل تفاصيلها ولازالت تعيش معى ....


لماذا تذكرت كل هذا الان ؟؟؟ ولماذا هاجت فى نفسى الذكريات ؟؟؟ ربما لانى احن لهذه الايام !!! ربما ...او ربما لاننى تذكرتها نتيجة ما حدث معى منذ ايام ......


طائرة باريس تستعد للاقلاع من مطار شارل ديجول وهى ممتلئة عن اخرها وفى مقدمة الطائرة يجلس مجموعة من الطلبة اولاد وبنات مصريون فى تلك المرحلة السنية الغلسه _ المرحلة الاعداديه _ يتكلمون الفرنسية بطلاقة ونصفهم يحمل الباسبور الفرنسى ويتعاملون مع بعضهم البعض بصوت عال وخشونه غريبه لا افهم لها معنى .....
كان البهوات ابناء البشوات فى فرنسا يحضرون معسكرا صيفيا من تلك المعسكرات التى تقيمها العديد من المدارس الدوليه الموجودة بمصر خارجها ..... ما علينا واحنا مالنا خلينا فى حالنا......وما ان بدات الطائرة فى التحرك حتى رفع احدهم جاعورته وقال بفرنسية مشمومة ( السلام الوطنى لمصر ) .
وفوجئنا بجميع من حوله ينشد السلام الوطنى المصرى ....بلادى بلادى ... مترجما باللغة الفرنسية .... وعلى انغام موسيقى تشبه نشيد المارسليز الشهير ( السلام الوطنى الفرنسى ) ......
لا اعلم لماذا احسست بالقرف .... هل لانى احمل شعورا ضدهم بانهم لايعيشون فى مصر التى نعيشها ويتبرأون من سلامنا الوطنى ولغتنا العربية ام لانهم يمثلون ابناء طبقة الاغنياء الجدد الذين امتلئت بهم حياتنا ..... لا اعلم ؟!!ولكن الذى علمته فعلا بعد ذلك ان احساسى كان بمحله تماما......!!!
ما ان استوت الطائرة فى السماء وبدانا عملنا حتى سمعنا هرجا ومرجا وهؤلاء الصبية والصبايا قد قلبوا كابينة الطائرة راسا على عقب ...... انهم يلعبون !!! لقد بدءوا هزارهم السمج .... اخذ كل واحد منهم يرمى زميله بالمخده .... يا حلاوة .... لا احساس ولا استماع لنصيحة احد !!!! اقعد يا بابا عيب كده ...... يابنى ما يصحش فيه ناس غيركم فى الطيارة ..... يا حبيبى ما تخليناش نتنرفز عليكم !!!! كان قائل الجملة الاخيرة عجوز سبعينى العمر قالها بعد ان لبس مخده فى دماغه اثناء نومه !!!
وكان رد احدهم غريبا عجيبا ...... تتنرفز على مين يا عم الحج؟؟؟؟ .... اتكلم على قدك!!! .... قالها بمصرية خالصة اتية من تلك الشوارع الخلفية لقسم العمرانية
كان صوت الولد جعوريا مدويا لدرجة انى احسست ان الطائرة كلها قد صمتت لتسمع رد الرجل ....
فوجئ الرجل بالكلام المهين فتهدج صوته ورد وهو يحاول التحكم فى يده التى ترتعش ..... انتوا عيال مش متربيه ....انتوا مالقتوش حد يربيكم .... انتم مين المسئول عنكم ؟؟؟ فين الاستاذ اللى معاه العيال دى ؟؟؟
اخذ يصرخ فى الكابينه عدة مرات .... الى ان توجه اليه شاب طويل الشعر بيمضغ لبانه وهو يقول .... ايوه حضرتك ... فيه حاجة ؟؟؟ انا مسيو تامر المسئول عن الاولاد .....
رد الرجل غاضبا : فيه حاجة ؟؟؟؟ هوه انت كنت نايم ؟؟؟؟ ما شفتش اللى حصل ؟؟؟ انتم مدرسة ايه ؟؟؟ العيال دى يا استاذ ما شافتش تربية !!!
رد مسيو تامر غاضبا ( وعليك ان تتخيل غضبه ) :لا من فضلك ..... احنا احسن مدرسة فرنساوى دولى فى مصر .... والاولاد دول ولاد اكبر واغنى ناس فى البلد ....
اشتاط الرجل وهو يسمع كلام مسيو تامر والذى كانت تكفى كلمة اعتذار بسيطة منه لانهاء الموضوع كله ..... فرد عليه..... بالمناسبة بقى الحكاية مش حكاية فلوس .... دى تربية والعيال دى كلها ماتعرفش الادب لان لو فيهم واحد متربى ما كانش رد على واحد فى سن جده كده ....بس اقول ايه ؟؟؟ لا فيه اب ولا أم يربوا والاستاذ بتاعهم بلبانه .... الله يلعن ابو دى مدارس دولية يا شيخ .....
انسحب تامر فى هدوء بعد ان قابل سيلا عارما من غضب الرجل فآثر السلامة وبعد ان سمع العيال كلام الرجل عرفوا انهم على اعتاب معركة ضخمه لن يكون باقى الركاب معهم فيها فآ ثروا الهدوء واكتفوا بتلقيح الكلام على الرجل الذى ابدل مقعده مع احد الشباب الذى يبدوا عليه انه من ابطال كمال الاجسام والذى استهل جلسته على مقعده بصوت عال قائلا ....... انا لما باتنرفز ...... ايدى بتسبق لسانى !!!! فصمت الجميع حتى نهاية الرحلة ..........


محمد شلتوت

السبت، 11 يونيو، 2011

زماننا ..... وزمن غيرنا !!!

عشت حياتى طولا وعرضا ...... وسافرت البلاد شرقا وغربا ..... اكلت اشهى الاطعمة واردأها
واقمت بافخم الفنادق واسوأها ...... تعاملت مع الامراء والهلافيت ...... أرتنى الدنيا من صنيعها العجب العجاب !!!!
الا اننى رغم كثرة الاسفار وغرابة المشاهد والاخبار كنت احلم بسفر اخر ... غريب .... مستحيل ....
كنت اتمنى السفر للماضى فارى كيف كانوا يعيشون ويتعاملون ... كيف كانوا يتداوون ؟؟ يحاربون ؟؟؟ ياكلون ؟؟ هل حياتهم كانت اجمل وابسط واهدأ ام انها كانت مليئة بالمعاناة والمرض والقسوة ؟؟؟
كنت افكر فى ذلك طوال اسفارى واتسائل هل سيستطيع الانسان ان يخترق الزمن ويعيش فيه ؟؟؟؟ ويتجول داخله ؟؟ مثلما استطعنا ان نختصر المسافات فنقطع فى ساعات ما كانت تقطعه اكباد الابل فى اسابيع وشهور ؟؟؟
ظل هذا السؤال يجول بذهنى شهورا واعوام ..... الى ان طلب منى ذات صباح الاستعداد للذهاب الى نيجيريا ...... !!!ونيجيريا من وجهة نظرى هى بلد العجائب وليست الهند ...... ففيها كل شئ .... كل شئ !!!
بها اغنى الاغنياء وافقر الفقراء وبها الرخاء والبلاء وبها من كل خيرات الله الاقتصادية والبشرية .... الا انها تختلف عن الهند فى شئ اساسى هو ان الله قد سلط عليها حكامها من الديكتاتوريين العظام كباقى دول القارة السوداء فسرقوا خيرها وثروا على حساب شعبها ...


فى نيجيريا ما ان تنزل من الطائرة حتى تتحسس جيوبك وكذلك اصابعك خشية السرقة بل ان حياتك نفسها مهددة اذا ما فكرت لحظة بان تجب على من يطلب منك اخراج كل ما فى جيبك اجابة اخرى غير ان تعطيه كل ما فيها بالفعل !!!!
لا ازال اذكر تلك المرة التى نزلنا فيها لاجوس العاصمة والتى دخل لاستقبالنا فى الاتوبيس الذى سيقلنا للفندق ضابط شاب يهنئنا فيها بسلامة الوصول وان نرتاح تماما فقد وصلنا لنيجريا بلد الامن والامان ولكن علينا عدم فتح شبابيك الاتوبيس وكذلك عدم الالتفات لاى اطلاق نار قد يحدث اثناء سير الاتوبيس !!!! وعند وصولنا للفندق لفت السائق نظرنا على اننا لابد من ان نجمع حفنة من الدولارات لاعطائها للضابط نظير قيامه بحمايتنا !!!


يالله انها نفس نظرية القوافل القديمة يقوم على حمايتها مجموعة من العسكر فى مقابل ان تحصل على مقابل من كل تاجر تقوم بحمايته وحماية بضائعه !!!


فى نيجيريا لا تستطيع ان تخرج من الفندق بمفردك .... فهذه رفاهية قد تدفع ثمنها غاليا وكذلك عليك ان تحتاط صحيا ففيها من الامراض على كل لون يا باتيستا ......!!ماهو معروف وما هو ليس له حل حتى الان !!
واخطرها الملاريا المخيه !!! تلك الملاريا الخبيثه والتى تسببها ناموسة صغيرة تصيب المخ مباشرة ويؤدى ارتفاع درجة حرارة الجسم لتلف خلاياه ثم الموت بعد فترة والعياذ بالله !!
ذات ظهيرة ارتفعت فيها درجة الحرارة والرطوبة بدرجة مخيفة قررت فيها ان اخلع ملابسى وارمى نفسى داخل حمام السباحه الفخم والذى يحتويه ذلك الفندق ذو الخمسة نجوم والذى كان دائما خال من النزلاء !!! ...... انعشتنى المياه وخرجت منها لاستلقى على الاريكة الممدة حتى يجف جسدى وطلبت شيئا لاشربه ..... فجائنى احدهم وهو يحمل مشروبا مثلجا جميلا ويبتسم ابتسامة عريضة وهو يقول ..... اننى احييك يا سيدى على شجاعتك !!! فانتفخت زهوا معتقدا انه كان يراقبنى اثناء السباحه فقلت له بفخر اننى اجيد السباحة منذ الصغر !! فرد بهدوء ... لا اتكلم عن السباحة ولكنى اتكلم عن شجاعتك فى نزول الحمام وهو محاط بهذه الكمية من الناموس والتى تجعل كل نزلاء الفندق يخافون من النزول فيه !!! تجمد الماء فى فمى ودققت النظر حول قدمى فوجدت كمية مهولة من الناموس الصغير والذى نسميه فى مصر الهاموش وكانها قد نسجت شرابا حول قدمى !!!
وكانت اول واخر مرة اضع نفسى فى حمام سباحة داخل او خارج الجمهورية !!
انها البدائية بكافة اشكالها وليست هناك لحياة الانسان قيمة والتى من الممكن ان تودى بحياتك فى دقائق بينما الاخرون يتابعونك وهم يفتحون افواههم من الدهشة ولا يحركون ساكنا !!


فى احد الرحلات لهذه البلاد الغريبة اضطررنا للاقامة فى مدينة كانو النيجيرية وهى تبعد ساعة عن لاجوس بالطائرة وهى اقل فى كل شئ من العاصمة وهناك حططنا الرحال فى فندق يملكه احد اللبنانيين المقيميين هناك وهم بالمناسبة كثيرين – ولكنهم للاسف مكروهين من السكان لاسباب اكثرها مادية وتجارية
وكان هذا الرجل يحب المصريين كثيرا فقام بواجب الضيافة على افضل ما يكون...... فاعطانا غرفا رهيبة الاتساع تحس فيها وكانك تسكن فى قصر منيف وقد حدث هناك حدثا من الصعب نسيانه !!.....
كان صاحب الفندق لبنانى ظريف الطباع حسن الخلق يسمى طاهر وكان الرجل محبا للنكته المصرى وجاء وقت تسامرنا فيه وعرف باننى اشرب الشيشة ( ذنب ارجو الله ان يغفره ) فاقسم بانه سوف يرسل لى شيشة مخصوص على الغرفة !!!
المهم ذهبت لغرفتى لاستريح وبعد ساعة وجدت من يطرق الباب ووجدت شيشة ضخمه فخمه يحملها صبى نيجيرى ويقول انها هدية من السيد طاهر !!! فقلت له شكرا .... وعندما هممت باغلاق الباب قال لى انه لابد من بقاءه كى يقوم بخدمة الشيشة فوافقت على مضض حيث ان وجود شخص تحت قدميك وانت تدخن الشيشة يقوم بتغيير الفحم والتهوية المستمرة امر لم نتعوده ويعود بخيالك لايام المماليك !!! المهم اخذت ادخن النارجيلة وهذا الولد يقوم بعمله على اكمل وجه !!! وعندما انتهيت قدمت له البقشيش وقلت له شكرا اريد ان انام ...... إنصرف .
قال لى ..... ان السيد طاهر قال له ان يظل فى مكانه ليقوم على خدمتى ......

- تعجبت وقلت له شكرا لا اريد شيئا وتستطيع ان تذهب ......

- فرد بهدوء لا استطيع ..... لقد امرنى السيد طاهر ولا استطيع ان اخالف كلامه .....
- يحرق طاهر وسنين طاهر ..... ياعم انصرف اريد ان انام ......

- لا استطيع يا سيدى لا بد ان يامرنى السيد طاهر بنفسه
اتصلت بطاهر فقال لى موظف الاستقبال ان السيد طاهر قد ذهب لمدينه قريبة وسيرجع بعد ساعتين او ثلاث
يادى المصيبة طب اعمل ايه .... اشيله وارميه بره الاوضه ..... وهو خلال كل هذا كان يجلس ساكنا مقرفصا جسده فى ركن من اركان الغرفة منتظرا ..... طاهر!!!
مرت الساعات بطيئة الى ان وصلنى تليفون من طاهر يتسائل عما اريد ؟؟!
- يا عم تعال خد الواد ده من هنا .....

- فرد بقلق هوه عمل حاجة ولا ايه ؟؟؟

- قلت له لأ بس هوه هنا بيعمل ايه ؟؟
فرد ده من العبيد يا محمد يعمل اللى انت عايزه !! تخليه يجيب حاجة !! يودى حاجة !!
فصرخت فى التليفون .... عبيد ايه يا عم طاهر هوه احنا ايام الكفار ؟؟؟ ....يا عم الحج تعال خد الواد ده من هنا .... انا حاسس انى بقيت ابو لهب !!!
جاء طاهر واخذ الصبى وهو متعجب من اننى ارد هديته القيمة بهذه العصبية وعدم الرضا !!! وتذكرت يومها الذل والانكسار فى عين الفتى وتخيلت لو ان الزمن قد عاد بى للوراء وخلقت فى زمان وبلاد لا يراعى للانسان فيها حرمة ولا قيمة .....فهتفت فى اعماقى ....... الحمد لله اريد ان اعيش زمانى بكل ما فيه من عيوب.


محمد شلتوت