الثلاثاء، 30 أبريل 2013

أنا .... وزوجتى .... والزعانف !!! (2)

لم ارغب يوما ان اكون عضوا فى نادى أو انشغل فكرى بهذه الاشياء ابدا ....كما اننى لم ارى فى اسفارى اندية مثل تلك التى تنتشر فى بلادنا . . . .الاندية هناك اما رياضية بحتة يذهب اليها اللاعبون المحترفون او اخرى تضم مهتمين بانشطة او هوايات معينة كاندية محبى السيارات او جامعى الطوابع او الرفق بالحيوان . . .الخ
لم ارى فى اسبانيا اسرا تذهب يوم الاحد لقضاء اليوم فى نادى ريال مدريد ولم اسمع فى فرنسا ان نادى باريس سان جرمان قد اعد مصيفا لعائلات الاعضاء فى مارسيليا ...لكن ان تتحول الاندية الرياضية لمقاهى ضخمة يجلس فيها الناس بلا شغلة ولا مشغلة وان تهتم بانشطة بعيدة كل البعد عن الرياضة فهذا ما لم اره الا فى بلادنا ....!!!

زوجتى عندما تحب ان تنهى مناقشة لصالحها .... تنهيها دائما بالجملة الخالدة ( الناس كلها بتعمل كذا ..... الا احنا !!)  ... الناس كلها مودية اولادهم مدارس كذا .... الا احنا !!! الناس كلهم عندهم عربية ماركة مش عارف ايه .... الا احنا !!! وهكذا تولد لدى شعور بمرور الوقت اننى اما بخيل سينتهى الحال بابنائى عندما سيتذكرون سيرتى ( بعد عمر طويل ) بالدعاء عليا وعلى الايام السودا اللى عاشوها معايا .....أو اننى اعيش فى فقر مدقع واننى من مستحقى الزكاة !!!

استسلمت مرغما واشتركت فى هذا النادى - الذى اشترك فيه كل الناس الا احنا - وكان فى هذا النادى الفرصة الكبرى لتقوم زوجتى باقامة اهم مشاريعها - مثلما اقامت مصر السد العالى - وهو التعرف على مجموعة من السيدات - اللواتى لا اعرف كيف يجدون هذا الكم من الكلام ليتحدثوا به كلما التقوا ..... كما ان مقابلاتهم تتصف بالسرية .... ما ان تقترب منهم لتطلب من زوجتك شيئا حتى يهبط عليهم سهم الله ... تحس انهم يدبرون شيئا .... او ان مصيبة ما فى طريقها اليك ..... فكرت كثيرا فى الابلاغ عنهم ... لكن ... حتى وان وجدت فى هذه الايام السودا من يستمع اليك من رجال الشرطة !!!.... فاين لك ان تاتى من هذه المجموعة الماسونية بدليل ادانة ....!!!

بعد ان اتم ابنى دروسه فى السباحة ..... اخذت زوجتى فى البحث عن رياضة ما ... اى رياضة يلعبها الولد .... ويستطيع بسهولة ان يصبح فيها بطلا  ...لا اعلم حقيقة .... ايه حكاية البطل دى ؟؟؟!! الجميع يبحث عن بطل ؟؟؟ ولكن اين هو ؟!!
وأخيرا وجدت زوجتى ضالتها فى لعبة عجيبة ... فاجاتنى ذات يوم وهى تعلن انها قد سجلت اسم الولد فيها ...وما على الا القيام بدفع الاشتراك وتحديد مواعيد التمرين التى تناسب توقيت رحلاتى ...... سالتها عن اسم اللعبة ..... فقالت وكانها تعلن تاميم قناة السويس ...... قرار رئيس الجمهورية .... بان الولد هيلعب سباحة بالزعانف !!! سباحة بالايه ...... بالزعانف !!!
كانت هذه اول مرة فى حياتى اسمع فيها عن رياضة مثل هذه !!! كما اننى لم اتعود على مسميات رياضية كهذه ... سمعت هذا فى مجال الاكل مثل مكرونة بالجمبرى او حتى كنافة بالقشطة اما فى مجال الرياضة فلم اسمع أو أشاهد هذه الرياضة من قبل !!!
- هوه فيه لعبة كده ..... تسائلت فى بلاهة ؟!!
- ايوه ..... دى لعبة جديدة .... والولد هيبقى هايل فيها
لا اعرف من اين اتى لها هذا اليقين ؟؟؟ وكيف عرفت بهذه اللعبة اساسا ؟؟.... انفى يشم رائحة هؤلاء النسوة بزعانفهم التى ملات حياتى ......

كان على ان اتوجه صباحا للمدرب المختص وان اقوم بدفع المصاريف وتحديد المواعيد ...... قابلنى المدرب بابتسامة عريضة وود ظاهر وكانه يعرفنى من ايام الجيش ..... دفعت المصاريف المطلوبة ... ثم اخبرنى بضرورة ان اقوم بشراء الزعانف من النادى لصعوبة الحصول عليها من محال بيع الادوات الرياضية ..... اخذت اقلب فى الزعانف وكانى موجود بحلقة سمك ...  الى ان وقع اختيارى على جوز احسست بان ابنى وهو يرتديهم سيكون اقرب الى سمكة القرش .... التى تلتهم المنافسين .... فيصبح بطلا !!!!
هممت بالرحيل .... فاستوقفنى الرجل لافتا نظرى اننى لم اختر مواعيد التدريب بعد !!!
تراجعت متسائلا فاخبرنى بوجود ميعادين اثنين هما .... من الثالثة للرابعة والنصف ... والثانى ... من الرابعة والنصف للسادسة .. ثم اكمل والميعاد التانى للاسف تم حجزه بالكامل ..... اذن فهذا النظام الديموقراطى يخيرنى بين ميعاد واحد !!!!
رددت وانا محبط خلاص ميعاد من تلاته لاربعة ونص لا مفر منه ... لكن يعيبه ..... انه مع دخول شهور الصيف .... سيكون الجو حارا ...
ضحك الرجل ملئ فمه وقال ..... الميعاد من تلاته لاربعة ونص الصبح يا استاذ !!!
- صبح !!! الصبح اللى هوه الفجر !!!!
- ايوه ... ايوه وبتبقى فرصة ان الولد يتعود على صلاة الفجر ... ويستعد للمدرسة كمان (قالها الرجل بجدية وتأثر بالغين)
- انت بتتكلم جد ؟؟؟!!
- طبعا يا فندم
- طبعا ايه ؟؟؟ ارتفع صوتى وانا فى غاية الزهول .... اجيب الولد الساعة تلاته الصبح
- رد الرجل وهو يحاول استرداد هيبته .. يا باشا كل اولياء الامور بييجوا الصبح وبتبقى فرصة يتعرفوا على بعض ...والجو هايل الفجرية
- هايل ايه بس؟!وناس مين دول اللى هتعرف عليهم الفجر ... ثم اجيب الولد الوقت ده ازاى ... ده انا ممكن اتثبت على الطريق
- ضحك ضحكة كرم مطاوع وهو ينظر لى معاتبا ..... يا استاذ ده معظم اللى بييجوا الصبح ... من السيدات
ملأ الخجل وجهى .... الستات بييجوا الفجر .... وانا خايف اطلع من بيتنا لاتثبت .... لا عشت ولا كنت .... خلاص يا كابتن فلتكن مشيئة الرب .... وليرحمنا الله برحمته
خرجت من غرفة الكابتن وانا اجر زعانف الخيبة .... متجها خارج هذا النادى الغريب الذى يجعل تمرين احد العابه فى الثالثة فجرا ....
اثناء سيرى وبينما افكر فى كيفية تامين الوصول للمكان فجرا اذ بى فجاة امام سيدة من تلك اللواتى كل ما تدخل النادى تلاقيهم قاعدين ... هى من مؤسسات هذا النادى ... وكانها ولدت داخله .... او ولد داخلها ...... مشتركة هى لاولادها فى كل الالعاب .... ودائما ابدا تجدها جالسة تمارس رياضتها المفضلة ... اكل السندوتشات !!!
للاسف وقعت فى محيط رؤيتها وانا قادم حاملا زعانفى ..... فقابلتنى بصوت مرتفع وكانها تخطب فى جمهور بلا ميكرفون ....
- انت خلاص ..... اشتركت للاولاد فى الزعانف .... ربنا يجعلها اخر الاحزان ..... واعقبتها بضحكة لا استطيع وصفها حرصا على الاداب العامة ....
حاولت تحاشيها وهززت راسى مكملا طريقى لعلى انجو من الفضيحة ...... لكن هيهاااااااات
- اشتركت فى ميعاد كام ؟؟
- قلت بصوت منخفض وانا انظر حولى خوفا من وجود التنظيم السرى لزوجتى والذى ينتشر فى النادى كالجراد ..... ميعاد الساعة تلاته ان شاء الله
ردت بصوتها الاوبرالى الذى اعتقد ان زوجتى قد سمعته وهى بمنزلنا ..... خلاص نتقابل 3 الفجر على خير
خير ايه بس .... الله يخرب بيتك .... لم يعد هناك شك انى الان فى ورطة .... لكننى كنت قد استعددت باجابة عبقرية سارد بها لو تسرب الخبر ..... عشان الولد يبقى بطل ..... لازم كلنا نضحى!!!
عدت للمنزل .... فوجدت المدام تنتظر .... وكانها تنتظر صلاح الدين وقد عاد من حطين ...... وعندما اخبرتها بالميعاد الغريب العجيب .... فاذ بها تعلق قائلة جملتها الشهيرة ...... الناس كلهم بتودى ولادها مواعيد تدريب زى كده ...... عندك مثلا مدام سوسن وابنها المشترك فى التجديف ومدام اميرة اللى ابنها مشترك فى الوتربولو ..... ومدام كريمة اللى ابنها مشترك مش عارف فى ايه ؟!! ( لعبة غريبة برضو .....) كل الناس كده .... اشمعنى احنا !!!!!
لا اجد ما أرد به فابتلع لسانى ...اصبحت كثيرا ما أشعر باننى غريب فى زمن عجيب !!!

يوم التدريب .... الثانية بعد منتصف الليل ..... استيقظت بصعوبة .... واستيقظ ابنى بضرب الجزم .... اخذت العن واسب وانا ارى الولد غير قادر على الحركة فما بالك بقيامه بالتدريب من اساسه .....
ركبنا معا السيارة  وسط الظلام الدامس وهدوء الشوارع المريب والذى قد يفاجئك فى كل دوران بان هناك من يترصدك ... بدات فى تلاوة ما تيسر من ايات منجيات ودعاء تركته لى زوجتى فى ورقة وكتبت عليه عنوان ...... دعاء الوصول للنادى .....!!! رفعت صوت القران فى السيارة لعله يكون لنا شفيعا اذا ما استوقفنا احد .....
و...أخيرا وصلنا للنادى ولدهشتى الشديدة وجدت اباء وامهات كثيرات هناك .... كلهم يحملون الحقائب والملابس والزعانف لاولادهم .... والذى يتصاعد البخار من ادمغتهم نتاج تلك البرودة الشديدة ..... اخذ الجميع يتعرف بعضهم ببعض ويستعرضون كيف وصلوا للنادى فى هذه الساعة رغم الاضطراب الامنى المعروف للجميع ..... فى هذا اليوم شاهدت كل انواع الاسلحة .... كل منهم قد اتى بما يحميه .... فرد خرطوش .... اسبراى ... صاعق .... مية نار ..... والغلبان فيهم شايل .... سيف !!!!

اخذت اتطلع للجميع واقرا فى عيون كل اب وام الحلم بان يصبح ابنهم بطلا مغوارا .... تحمل صفحات الجرائد صورته وهو يحمل كاسا .... او تتدلى من رقبته ميدالية ..... فالعن ابو الزعانف على اللى عملها
من بعيد شاهدتها وهى تجر ابنها  كالمعزة جرا نحو حمام السباحة وبصوت كصوت صفارات الانذار اشاحت لى من بعيد وهى تقول .... اهلا .... اهلا
وعندما اقتربت منى نظرت لابنها الذى كان يبكى بكاء من حرم دخول الجنة .....قائلة
شوف يا حبيبى عمو ابنه جدع ازاى ..... مبيعيطش زيك .... بطل من يومه
نظر لى ابنى نظرة معناها .... والله لاقول لماما !!!
بدء التدريب فاحتل الجميع مقاعدهم حول الحمام وبالرغم انه كان التدريب الاول فى لعبة جديدة ...لم يعرفها او يمارسها الاولاد ولا ابائهم من قبل ..... الا ان عقيرة الجميع تعالت وهى تصرخ على الابناء .... يلا يا حازم .... شد جسمك يا محمود .... اضرب الزعانف فى الماية جامد يا علاء ... خد نفس طويل يا سيف ... فاخذت اسال نفسى .... وما جدوى هذا المدرب المسكين .... الذى اوقعه حظه الكوبيا وسط هؤلاء المجانين
لم يمض غير نصف ساعة فقط .... ووجدت ابنى بعدها يترك الحمام متجها الى .... ثم وجدته يميل على اذنى وهو يقول .....
- يلا يا بابا نمشى...... دى عالم هبلة
اجبته وانا اتراقص فرحا من داخلى ووجهى يتصنع الجدية
- طب والزعانف يا حبيبى !!!
- تبقى تخصمهم من مصروفى
- وتهدج صوتى وانا أقول ....... طب وماما ؟؟؟
فرد وهو يطبطب على كتفى ..... استحمل شوية يا بابا
ودى كانت اخر مرة ادخل فيها حمام السباحة .... واخر مرة اتكلم فيها كذلك .... عن زوجتى
ملحوظة هامة : هذه القصة خيالية وأى تشابه بينها وبين الواقع هو محض صدفة ...(حبيبتى يام العيال)

محمد شلتوت
...(يتبع)

الأربعاء، 17 أبريل 2013

الساحرة المستديرة ......

ترى زوجتى - مثل أى أم - ان ابنائنا من العباقرة الافذاذ وانه لو توافرت لديهم الفرصة فقط فسوف يكون لهم حظا فى الدنيا يماثل العظماء والمشاهير ......
هى تردد دائما - وهى تنصح الاولاد اثناء المذاكرة والتى يعلو اثنائها صوتها حتى يسمعه جيران آخر الشارع - هوه انت ناقص عن زويل ايه ... هه .... ايد !! ..... رجل .....!!! وينظر لها الاولاد فى بلاهة لانهم اساسا لا يعرفون من هو زويل ؟؟؟ كما انهم لا يعرفون ان هناك فى الدنيا فعلا من يزيد عنهم بما حباه الله لهم من عقل ومهارة ليس شرطا ان تتوافر للجميع ......

اؤمن تماما بان الله قد قسم المواهب مثلما قسم الارزاق وارى ان لكل واحد منا موهبة تميزه وتختلف به عن الاخر .... حتى ولو كانت موهبة تافهة أو غير ملحوظة ..... الا انه يظل فيها الملك الذى يتسيد عرشها .... لا ينافسه فيها احد قط !!!
اعرف زميلا لنا فى المرحلة الاعدادية كانت له موهبة عظيمة ..... فى الصفير ...... نعم ..... الصفير !!!
كان عندما يبدأ فى الصفير ... يسكت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير .... كان صفيره قويا منغما .... قادر على تطويعه بطلاقة .... يستطيع ان يعزف بصفيره اعقد الالحان بسهولة ووضوح فائقين ..... كان موهوبا ..... لكن فى الصفير فقط !!!!

ابنى الاكبر ..... لم تتحدد مواهبه بعد .... مثله مثلنا عندما كنا فى عمره ... يجرب هو كل الاشياء ..... يحلم .... يعتقد انه الافضل ..... حتى يظهر له ندا يبين تواضع مستواه ..... فيقرر الانتقال لهواية اخرى ..... جرب السباحة .... لكنها لم تستهويه .... جرب الجودو .... لكن نهايته كانت على يد ولد غريب ... عجيب .... اعطاه الله بسطة فى الجسم رغم صغر سنه ..... لو صارعنى لغلبنى !!! اشفقت على ابنى وانا ارى هذا العملاق يطوح به مثل الفطيرة فى الهواء ... ثم يطرحه ارضا .... ثم يتلقاه من الارض كعجينة قد اختمرت ليلفها مرة اخرى مستعدا لحشوها بالزبيب والمكسرات !!!! والله لولا الملامة لتدخلت فى المباراة دفاعا عن ولدى ..... ولتكررت احداث فيلم .... سلفنى 3 جنيه !!
بمرور الايام استقرت قناعته  أو وهمه انه موهوب فى كرة القدم !!!! ورغم انه يرتدى نظارة طبية - الا ان استاذه فى المدرسة والذى هو فى نفس الوقت مدربه فى النادى ( واخد بالك انت ) أقنعه واقنع والدته انه ليس هناك مشكلة اطلاقا فى لبس النظارة ...... وأكم من لاعبين كبار يرتدونها بلا اى مشكلة .... ثم نظر حوله قبل ان يفاجئهم بالقنبلة والتى اخذوا لاسابيع يرددونها بين الاقارب والاصحاب ... أن ابو تريكة يرتدى نظارة طبية ..... نعم ..... لكنه يكتفى بالعدسات اثناء المباريات !!!!

ورغم قناعتى ان الولد ليس له فى الكورة ولا فى الطحين الا اننى وافقت مرغما بعد تحزيرات امه باننى اقف امام مستقبله وانه كم من ابناء خاب املهم بسبب افعال ابائهم ....... ثم تهديدها بعد ذلك بانها غير مسؤولة عن درجاته ومستوى تحصيله .... لان الولد دماغه كلها كورة !@#$%%%+ @!
شاهدت ابنى وهو يلعب وتاكدت يقينا .... انه فعلا موهوب ...... وانه قد غلب مهارتى عندما كنت فى عمره .....كان موهوبا فعلا فى اخذ الكبارى ولو كان هناك انفاق فى كرة القدم لاصبح ملكا متوجا فى حفرها بين قدميه ........ انها الحقيقة المرة ...... ولو كان لهذا المدرب ضمير او بقية ايمان لطرده فورا خارج الملعب .... الا انها النقود يا اعزائى ...... ليس ولدى هو الوحيد .... فهناك شلة من الموهومين من اصدقائه الذين يجرون ابائهم كل يومين الى هذا النادى العريق ليمارسوا لعبة ليس لهم فيها اى مستقبل كما ان ماضيهم القصير مظلم حالك ...... لست ضد ممارسة الرياضة لكننى ضد النصب والسرقة باسمها .... ضد صنع الاحلام الوهمية ..... ضد توجيه الجميع كالقطيع لممارسة رياضة بعينها ..... طمعا فى مكسب مادى وشهرة زائفة .....

كنت اتابع ابنى فى التدريب فغامت عينى ورجعت بى الذاكرة للوراء ....اكثر من ثلاثين عاما لاتذكر اياما جبت فيها معظم شوارع حلوان  اما للعب مبارة أو للتحكيم .... كنت طبعا قد تحولت للتحكيم ..... بحكم انه لا فائدة من استمرارى كلاعب غيرالاساءة لهذه اللعبة العظيمة .... أو بحكم تلك الصفارة التى ادخرت مبلغا ماليا لشرائها .... وكذلك لانه لم يكن هناك اساسا حكام فى مباريات الشوارع .... فكان الجميع يوافق على وجودى ..... ومع ظهور اول مشكلة او اعتراض.... تتعالى الاصوات .... مش عايزين حكم ..... حكم ايه ده !!! ...... هوه احنا بنلعب فى الاستاد ...... فاتحول على الفور الى حكم سابق  ومشاهد محترف  لا يكل ولا يمل من تشجيع اللعبة الحلوة .....

حلوان ...... اواخر السبعينات واوائل الثمانينات .... الشوارع واسعة .... خالية من المارة ..... فما بالك بالسيارات  ..... الفيلات القديمة تملأ اركان الشوارع  التى تسمت باسماء الامراء والباشوات ..... اتاح هذا للجميع ملاعب مجانية رائعة ...... رايت فيها عدد كبير من محترفى الكرة والذين كانوا يلعبون الكرة الشراب والتى كان التحكم فيها غاية فى الصعوبة ...... كان من يمتلك كرة (كفر) يعتبر من الاعيان ...... لا اعرف حقيقة سبب تسمية هذه الكرة باسم ( الكفر ) ...... هل هى من الكفر والعياذ بالله ... لان من يلعب بها هم الاجانب الفسقة فى التليفزيون .... والاغنياء الفجرة الذين لا يحسون بالغلابة ممن يلعبون بالكرة الشراب ...... ام هى تحوير لكلمة ( cover ) الانجليزية والتى تعنى انها بالونة مغطاة بغلاف سميك من البلاستيك ...... حقيقة لا اعلم .....كان نادرا ما يلعب بها فى الشوارع لكبر حجمها واحتياجها لمساحات كبيرة جدا ..... هذا ما كان يقال دائما .... اما السبب الاساسى طبعا فكان غلو ثمنها فى مقابل تلك الكرة التى كانت تصنع من اسفنج مقاعد مترو حلوان القديم او اتوبيسات كارتر الشهيرة ثم يوضع هذا الاسفنج داخل شراب حريمى او كيس بلاستيك ايهما توفر ثم تلف بنوع معين من الخيط ثم تنقع فى الكلة لتاخذ صلابة معينة يختبرها محترفى كرة القدم القدامى ليعطوها ختم الجودة او يطيحوا بها فى اى خرابة معلنين ان الذى صنعها محدث كورة ......

رايت فى هذه الشوارع والحوارى والازقة عمالقة كرة القدم فى حلوان .... رايت حسام وابراهيم حسن .... وكذلك حمامة لاعب البلاستيك واينو نجم المصرى الشهير ...... اما افضلهم بالنسبة لى فكان ..... محمود الحافى !!! نعم ..... الحافى .... انتم لا تعرفونه ... انا اعرفه ...... كان ساحرا ... يفعل بالكرة ما يريد ... كانت بالنسبة له كالعشيقة التى تأبى ان تبتعد عن احضان عشيقها ..... يتحكم فيها حتى وهى بعيدة عن قدميه !! تكاد تقسم ان هناك مغناطيسا يربطها الى قدمه .... كان محمود يلعب حافيا ... ياتى للمبارة وهو يلبس كاوتش ( باتا ) الابيض الشهير ثم يخلعه على الخط مثلما يخلع الساحر قفازه قبل تادية العابه حتى لا يشكك المشاهدون فى مهاراته ..
كان مبدعا ... قادرا على اخراج الاهات من الحناجر مثله مثل نجوم الكوميديا الذين ينتزعون الضحكات فجأة فتحس بان مظاهرة قد خرجت للتو ..... الاسماء الكبيرة كانت تخشى الدخول معه فى عزف فردى .... كان الجميع يتحاشاه .... فيصل لمرمى الخصم فى سهولة ويسر لن تختلف كثيرا لو حاولوا ايقافه ...... ( كان فى كل منطقة لاعب يأخذ لقب الحافى فلقد رايت الكثيرون ممن تلقبوا بهذا الاسم ...... )

كان اللعب غالبا ما يكون على المشاريب ... بمعنى ... ان يقوم الفريق المهزوم بدفع ثمن الحاجة الساقعة للفريق المنتصر .... واحيانا يتغير المشروب ليصبح عصير قصب !! ثم تطور الامر واصبح اللعب على فلوس ... أى ان يدفع كل لاعب من الفريقين مبلغا والفائز ياخذ الحصيلة .... الا ان فتوى ظهرت من مكان ما ... فى وقت ما ... حرمت هذا .. وقالت انه لا يجوز اللعب على الفلوس ... فارتد الكثيرون اعقابهم للعب على المشاريب مرة اخرى .... وكأن المشاريب كانت توزع مجانا !!!!

لعبت فى الشوارع الكرة والعاب اخرى مثلما لعب معظم ابناء جيلى ... لم نكن مشتركين فى اى نادى .... بالرغم من سهولة الاشتراك فيها وقتها .... وتقسيط ثمن الاشتراك على المرتب للعاملين بالقطاع العام .... الا انها لم تكن من اولويات الاسرة .... لذلك عندما كنت اذهب مع اصدقائى لاحد النوادى كنت احس بالغربة وعدم الالفة .... وهو ما انطبع على حياتى بعد ذلك ..... الى ان جائت زوجتى والاولاد وغيروا من هذا التفكير الى غير رجعة ....... ولهذا قصة اخرى ... سأرويها ...... ( يتبع )


محمد شلتوت

الأحد، 10 مارس 2013

صانع البهجة ....

قليلون هم من نقابلهم فى حياتنا ..... قادرون على صنع البهجة ورسمها على شفاه ووجوه من حولهم  ......
قليلون هم من عندما نتذكرهم ترتسم البسمات على شفاهنا وتسود الراحة نفوسنا ...... هؤلاء أناس عاشوا حياتهم لكى يعطوا ..... لكى يمنحوا بلا مقابل أو فى انتظار رد ...... هم نوادر ..... قد نقابلهم صدفة فى مشوار الحياة وقد تمضى مواسم العمر من غير ان نقابل احدهم فيستحيل علينا تصديق وجودهم معنا فى هذا العالم ......

استرجع شريط الذكريات الذى امتد فتعدى طوله الاربعون عاما ... احاول ان استخرج منه مثل هذه الشخصيات فلا اجد ... ادقق واحاول فتعيينى المحاولة ... اسال الاصدقاء والاقارب فلا اسمع اجابة مقنعة ..... هناك الاخ .... الصديق .... الزميل ......هناك الشخصيات المحورية اللامعة ...... لكن صناع البهجة ..... شئ اخر !!!!
عز الزمان ان ياتى بمثلهم كثيرا ... هؤلاء شهب تضئ فترات قصيرة لتشتعل فتموت ولا يبقى فى اعيننا غير لهب احتراقها ... وجمال صورتها وهى تعبر سماء الدنيا سريعا من شرقها لغربها ....
مثل هؤلاء يظهرون فجأة ويختفون ...... يحترقون لكى يضيئوا وهم بداخلهم يموتون .... كل يوم ... كل ساعة ... كل لحظة ..... لكنهم فى كل احوالهم متكتمون لا يبوحون .... يعانون وحدهم .... هم يعرفون التفاصيل عمن حولهم ..... يداوون جراحهم .... يقفون بالجوار على اهبة العطاء ...... لكن ..... من يسمعهم ؟؟؟ من يقف  معهم ؟؟؟ من يقرأ احزانهم ؟؟؟؟ .......... لا أحد !!!!

بعد جهد جهيد وتذكر شديد ...... تذكرت شخصيتين من هؤلاء ..... شاهدت احدهم  ولم اقترب منه ..... وعايشت الاخر وتعاملت معه ...... ولولا وجودهم فى حياتى ورؤيتى لهم لاعتقدت مثلما يعتقد الكثيرون ان وجودهم خيال وان بقائهم محال فهم اقرب للاساطير من الواقع المعاش .....

اما اولهم فتعرفت عليه فى الصغر ..... كان مبهجا ... دائم الابتسام .... مثل شخصيات الكارتون التى نراها على شاشة التلفاز .....
لم اره قط غير باش الوجه ضاحكا حتى تسائلت كيف لهذا الوجه ان يحزن او يغضب ....
كان العم رنجو ( او هكذا كان اسمه ) هو سائق الطفطف  الشهير بمدينة راس البر ( ذلك الاتوبيس المفتوح السقف والاجناب والذى يلف المصيف من اوله لاخره فى نزهة مسائية جميلة ... صعب ان تنساها ) كان عم رنجو هو الاشهر فى راس البر بوجهه الاشهب وطيبته المتناهية  وبوق طفطفه الشهير والذى جعل منه سيمفونية جميلة ينتظرها الاطفال كل مساء ومن راس البر طاف عم رنجو بطفطفه كل مصايف الفقراء فى الثمانينات ذهب لجمصة وبلطيم وسمعت بوق طفطفه فى العريش قبل ان اراه فتيقنت بوجوده فى المدينة .....كان محبا لعمله وان قل دخله ... كان مبدعا فى ادائه حتى ولو لم ينل شهرة او منصب ..... كان يعتبر كل الاطفال ابنائه يخاف عليهم ويمطرهم بنصائحه فى الذهاب والعودة ..... كان صانعا للبهجة ... فليرحمه الله حيا كان او ميتا وليفرحه فى حياته ومماته مثلما افرحنا ورسم البسمة على وجوهنا .......

عند الالتحاق باى عمل حكومى تصطدم بتلك الشخصيات التى تصنع سورا من العظمة الزائفة  مبنية على اقدمية  فى العمل ورثناها عن نظام عسكرى لم يكتف بالتطبيق داخل المعسكرات بل مد نشاطه فعسكر مجتمعا باكمله وخنق الكفاءات ووأد الاحلام فى صدور اصحابها ...... فى بداياتك العملية يتعاملون معك وكانك لا زلت وليدا تحبو فى عالم لابد ان تعيشه مثلما يعيشوه ... كلهم خبراء .... كلهم  يتحدثون اليك بفوقية غريبة لا سند لها غير اقدمية بائسة .... اتفهم ان يحاولوا تعليمك خبايا العمل واصوله ..... الا ان بعضهم يعتقد انه قادرعلى تعليمك اصول الاشياء وابجديات الحياة .......!!!!! الا هو ..... فبرغم اقدميته التى تسبقنى الا انه كان اخا كبيرا عاقلا يعطيك النصيحة ولا يلزمك بها .....
اعرف الطيبون بسيماهم ...... اعرفهم بتلك النظرات الحانية .... والتعبيرات الرقيقة .... والقلوب الكبيرة .....
هذا ما وجدته عليه عندما رايته لاول مرة .... طيبا كنسمات الصبح .. رقيقا كفتاة خجول ..... يبادر للمساعدة حتى ولو لم تطلبها منه ..... يتصل بك فى غرفتك ليطمئن عليك وانت اساسا لا تعرفه ولم تسافر معه من قبل !!!! يبادر بتعريفك تفاصيل المدينة من غير ان تسأل ..... تجد فى حقيبته كل شئ ... كل شئ .... ما تتوقع وما لا تتوقع ..... كبابا نويل فى حكايات الطفولة .... كم انقذتنا حقيبته العجيبة فى مواقف  لم نكن نتوقع اطلاقا انها تحوى ما نريد ونبحث !!! كانت كاميرته الشهيرة دائما جاهزة ...... لتصوير لحظة سعادة او لقطة لن تتكرر .... يتحفنا بصوره الرائعة التى يتركها لنا كهدايا عيد الميلاد فى كشك الشنط  لنتذكر اياما مرت فى حياتنا .... هو اول من يعلم .... انها لن تعووووود .........
يا الله ..... سافرت كثيرا وقابلت بشرا اشكال والوانا من كل جنس ودين ولغة ... الا اننى لم ارى مثيله واعتقد ان العمر سيمر ولن ارى شبيها له ...... اتحدث عن الزميل الجميل  .... ياسر الابراشى
اللهم كما افرحنا ...... فافرحه فى غربته وعزلته ومرضه
اللهم كما ابهجنا ...... خفف عنه ..... وعنا
اللهم ارسم البسمة على شفاهه ..... كما رسمها على شفاهنا جميعا  .......

محمد شلتوت